التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ثرثرة في الغربة (3)

حدث شيء غريب و هو أنني نسيت بالفعل رقم الحافلة التي تذهب إلى مسجد Light House الذي يعتبر أقرب المساجد للمنزل و الذي بدأت أتردد عليه بصورة دورية بحثًا عن السلوى، أي الحافلات يذهب إلى طريق مارتن لوثر كينج؟ 18؟ 1؟ 78 L؟ تبًا! لا أستطيع التذكر، عقلي مشوش جدًا بصورة كارثية،ماذا أفعل الآن؟ لا أعرف، ها أنذا أقف على المحطة و أنظر إلى المارة بنظرات خاوية، بعدها أبدأ في البكاء بلا إنقطاع، يمضي الوقت و أنا أقف كالتمثال حتى فات وقت صلاة الجمعة، بعدها قررت أن أسير إلى المنزل مرة أخرى مترنحة، لا أعرف ماذا أفعل الآن، سأذهب على دراجتي إلى أي مكان، أمشي كإنسان ألي من المحطة إلى البيت مرة أخرى لأخرج الدراجة من البدروم..

أنا أعرف شوارع أوكلاند جيدًا الآن و رغم أن قواعد المرور هنا معقدة إلا أن دراجتي و شوارع أوكلاند المألوفة زيادة عن اللازم لحد الملل هي الشيء الوحيد الذي يشعرني أنني مازلت أملك القدرة على التحكم في أي شيء في عالمي الذي فقدت التحكم فيه كليًا، أفعل هذا النشاط الآن كنوع من الاستشفاء، إن لم يكن بإمكاني وقف القتل أو تحرير أصدقائي الأسرى و إن لم يكن بإمكاني أن أختار البقاء في بلد أو السفر إلى أخرى أو تحديد مصيري فعلي أن استغل وجود هذا الشيء الذي أستطيع التحكم فيه : دراجتي في شوارع أوكلاند..

أنطلق من البوابة بسرعة جنونية، ثم ببطء مرة أخرى، أقود الدراجة بيد واحدة، أقود بكلتا يدي، أقود و أنا واقفة، ثم و أنا جالسة، أترك الدراجة تهوي في المنحدر و أدور دورة كاملة حول البحيرة، أقودها أعلى التل بمجهود مضني، و أتركها تنساب مرة أخرى على المنحدر، هذا رائع، أنا مسيطرة فعلا و هذا جيد، الكل ينظر إلي لأنهم غير معتادين على رؤية فتيات بالحجاب أصلا في هذا المكان فما بالك بواحدة منهن على دراجة؟ لكنني لا أعبأ بهم، في الغالب لا أهتم بالناس هنا لكنني الآن مرهقة جدًا لدرجة أنني لا أستطيع أن أفكر فيما يظنونه حتى أو إن كانوا موجودين..


المشهد الذي تطل عليه شرفتي من أوكلاند، كاليفورنيا. بحيرة لايك ميريت و خلفها تلال بيركلي و مدينة بيركلي على حدود أوكلاند
كما أنه لا شيء يبدو لي حقيقيًا في هذا السيرك كله أصلا، يبدو كل شيء و كأنه لعبة ميكانو جمعها و وضعها أحدهم هنا، ناطحات السحاب ثم البحيرة و الحديثة و الجبال من خلفها و البط و الإوز و المارة و الراكضين، تفاصيل كثيرة تجمعت في اللوحة لكنها كلها خاوية جدًا من المعنى و الروح، لا شيء حقيقي هنا، اقتربت من حافة المياة لأتأكد أنها هنا و أنا أشعر أن كل هذا سيختفي إذا ماحاولت أن ألمسه، فشعرت ببرودتها..

شعرت بالإرهاق و أسندت الدراجة على الأرض و جلست في الحديقة بجوار مجموعة من الإوز البري لأشاهد مجموعة من الأطفال الأمريكان من أصل إفريقي و لاتيني يلعبون كرة القدم، كانوا يضحكون و يتقافزون و يشبهون الأطفال في شارعنا جدًا، تمنيت لو كان بإمكاني أن أتوجه إليهم بعفوية و أقول: ممكن أنزل معاكم يا كابتن الدور الجاي؟
أتخيل أنهم سيبدأون في الركض من فرط الرعب أو يختفون، ليس بإمكاني حتى التفاعل مع أي شيء في هذه اللوحة فلماذا علي التصديق بأنها حقيقية؟

لا شيء يبدو حقيقيًا في مقابل هذا الألم لاذي يعتصرني، هذا الألم الحقيقي جدًا بصورة تجعله مرعبًا، ذلك الألم العاصر الذي لا يريد أن يتوقف عن التعاظم مع كل خبر جديد من الوطن..
ألم فقدان، غربة، مرار، قلة حيلة، مصير مجهول، يا تلك الأشياء التي رغم أنني لا أراها كما أرى البحيرة و التلال إلا أنكم حقيقيون جدًا، حقيقيون بدرجة مؤلمة للغاية..

أوكلاند، كاليفورنيا
يناير 2014 
(الأيام التي تلت تلقى خبر شهادة عزيز من مصر)

-----------------

ذهبت إلى المسجد على الدراجة و لم يظهر من النساء أحدًا كالعادة لأننا كنا بعد العشاء و النساء هنا يخشون أوكلاند في الليل بشدة، لما لم أجد أحدًا جلست في نهاية المسجد صغير الحجم استمع للأخ الأمريكي من أصل إفريقي الذي يدير المسجد و كان هو المتحدث الليلة.. سنديانا، يبدو لي كمصارع أو مغني هيب هوب في بعض الأحيان، أضحك كثيرًا على لهجته و حسه العالي في الدعابة حتى و هو يتكلم عن الإسلام.

كان الدرس اليوم عن التاريخ الإسلامي، بوجه الخصوص عن حياة الإمام الشافعي و المذهب الشافعي و تاريخ المذاهب الإسلامية، كان هناك سبعة بالإضافة لي، الحضور كلهم كانوا مجموعة من الإخوة الأمريكان من أصل إفريقي، يتكلمون بتلك اللهجة المحببة التي قد تذكرك بمغنيي الهيب هوب في البداية حتى تعتادها و تألفها، كنت استمع و أشارك في الحوار من بعيد و قدرت أنهم أرادوا اشراكي فيه كي لا أشعر أنني منبوذة لأنني أنثى، شعرت بالخجل من نفسي و بالتقصير عندما بدأ سنديانا الأعجمي يحكي عن معاناته في بداية إسلامه لفهم و استيعاب موضوع المذاهب المختلفة هذا و كيف أنه تتلمذ على أيدي شيوخ مختلفين في الساحلين الشرقي و الغربي، و كان سؤال هل يتوجب عليه أن يتبع مذهب ما أم لا يشغله كثيرًا حتى الآن، شاركه باقي الإخوة في ذلك و أخذوا يتناقشون بحرارة في الموضوع..
شعرت بالخجل إزاء محاولاتهم كلهم و هم مسلمون جدد أو مسلمون ولدوا لأسر أعجمية في سبر أغوار أصول الفقه و فهم مصطلحات شرعية بالعربية، إزاء محاولاتهم ترديد أيات قرآنية لا أحفظها شخصيًا بعربيتهم الثقيلة جدًا، تعلمت أشياء جديدة لم أكن أعرفها، و ضحكت كثيرًا من قلبي و قد كنت حزينة جدًا قبلها (لأسبابي الشخصية بما يتعلق بمصر و ما يحدث فيها) على دعاباتهم  و مزاحهم الأخوي مع بعضهم البعض، الإخوة في المجتمع الأمريكي الأسود لها بعد أخر لا تراه في الكثير من المجتمعات العرقية الأخرى التي تشكل هذا المجتمع الكبير غير المتجانس، بعدها أحضروا بيتزا حجم أكبر من العائلي للمسجد كله كمكافأة لهم على حضور الدرس و طلبوا مني أن أخذ ما تبقى منها معي إن استطعت و عرضوا علي أن يوصلوني إلى المنزل لكنني أشرت إلى الدراجة فحييوني بالسلام عليكم و رحمة الله وبركاته و مضيت عائدة إلى بيتي..

عندما دخلت المسجد كنت الأنثى الوحيدة في المكان، و سألتهم إن كان هذا طبيعيًا فقالوا لي أحيانًا تأتي بعض الأخوات و لكن لم يأت أحد اليوم، مازحًا قال أحدهم: The sisters are missing in action apparently، لهذا شكرا جزيلا على حضورك يا أختاه، كانوا يتعاملون كلهم بإحترام بالغ لا يشوبه أي توتر أو تسيب، لا وجود لتلك الصاعقة التي تحل على الذكور المسلمين العرب إذا رأوا أنثى مصادفة في مسجد، أو ذلك التوتر الشديد و العصبية التي تصيب الكثير لأنه لا يعرف ماذا يقول أو كيف يتصرف، حتى و أنا بحجابي كاملاً و بملابسي شديدة السواد غير المهندمة في غالب الوقت..

اعتدت حلقات العلم من هذا النوع في المسجد الصغير الذي بالكاد يحضر فيه أي عرب، اعتدت حلقات العلم القيمة التي أشارك فيها بارتياح دون أن يرفع أحدهم عينه علي، أو يتظرف، أو على الناحية الأخرى يعاملني كأنني رجس من عمل الشيطان، اعتدت أن يعاملني الرجال المسلمون في هذا المسجد باحترام شديد جدًا و ليس كأنني خطأ أو مصيبة تمشي على قدمين بذاتي..

هذه الأشياء الصغيرة جدًا تحدث فارقًا شاسعًا في إحساسي بالموجودات من حولي، و هذه التفاصيل الطيبة الكثيرة جدًا هي ما يجعل من وجودي هنا معنى و قيمة، و تجعلني أعيد النظر إلى نفسي كمسلمة و كأنثى، لكنها كلها إلى زوال، و أعرف أنني لن أجد هذا هناك و أننى سأضطر إلى التعامل مع واقع نساء الفلول و ربات البيوت و خطب وزارة الأوقاف المكتوبة مسبقًا و الذكور المسلمين الذين لا يعرفون كيفية التعامل مع النساء، و الإناث المسلمات اللاتي لن يفهمنني أبدًا..
بالإضافة إلى كل ذلك ليس لدي صحبة صالحة في مصر، ليس لدي أي صحبة من الأساس أصلا، و على أبدأ كل شيء من الصفر على أساس نخر..
الصحبة الصالحة نعمة، مجالس العلم نعمة ما بعدها نعمة،فيا كل من تملك صحبة مسلمة صالحة هنيئًا لك والله، عض عليها بالنواجذ بشدة و أدي شكر النعمة، ود كثيرًا من الناس لو امتلكوا مثلها ولا يجدون لها سبيلًا..


أوكلاند، كاليفورنيا
الولايات المتحدة
مارس 2014

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

و للتكنولوجيا الحيوية ألوان أربعة

مازلنا فى مرحلة التوضيح ، وجدت أن هناك تقسيم آخر لمجالات التكنولوجيا الحيوية (كتبته بتلخيص التلخيص)وهو كما يلى : Red Biotechnology التكنولوجيا الحيوية الحمراء وهى التكنولوجيا الحيوية فى المجال الطبى-أهمهم على الإطلاق و أخطرهم و أحبهم إلى قلبى -من أمثلتها إنتاج المضادات الحيوية باستخدام الكائنات الحية ، استخدام الهندسة الوراثية لمعالجة الأمراض و منابلة الجينات، وكذلك إمكانية إنتاج أدوية خاصة بالمحتوى الجينى لفرد ما ( اخترت أن يكون بحثى فى هذا المجال بالذات ، وهو يحتاج منا مقالة خاصة به ).. مصطلحات تكنولوجيا حيوية حمراء يجب وضعها فى الاعتبار: Genomic manipulation Gene therapy Pharmacogenomics SNPs -------------------- Green Biotechnology التكنولوجيا الحيوية الخضراء وهى التكنولوجيا الحيوية فى المجال الزراعى ، من أمثلتها إنتاج النباتات المعدلة وراثيًا ذات الفوائد العدة كما أخبرنا من قبل باستخدام زراعة الأنسجة أو غيرها ، الوقود الحيوى ، المبيدات الحشرية غير الكيميائية، الأسمدة الحيوية .. مصطلحات تكنولوجيا حيوية خضراء يجب وضعها فى الاعتبار: Transgenic crops Mic...

أنا أصلـــى إذن أنا أفعل معجزة !!

قال تعالى:(حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلفظ انفاسه الأخيرة :(الصلاة الصلاة وما ملكت ايمانكم) (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته ، فإن صحت فقد افلح وانجح ، وإن فسدت فقد خاب وخسر ، فإن انتقص من فريضته شيئ قال الرب عز وجل : انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل منها ما انتقص من الفريضة ؟ ثم تكون سائر اعماله على هذا ظاهرة غريبة بقالها فترة طويلة ، إن الناس بقوا يعتبروا الصلاة العادية –صلاة الفروض الخمسة - نهاية المطاف روحانياً و إيمانياً بالنسبة للإنسان و مقياس أساسى لأخلاقه .. الصلاة ما بقتش حاجة أساسية فى حياتنا ، لا بنراعيها فى مواعيد برامجنا ولا مواعيد محاضراتنا ولا مؤتمراتنا ولا مواعيد الانصراف و الحضور.. و ده وصلنا لإننا بقينا نسمع عبارات من النوع ده عادى جدا: "ده راجل بيصلى و عارف ربنا" " بسم الله ماشاء الله عليها بتصلى وعارفة ربنا" "ده راجل عارف ربنا ما يصحش يعمل كدة" فى أى مجموعة من أى فئة سواء كانوا شباب نساء أو بنات أ...

Biotechnology تكنولوجيا حيوية (2)

حسنًا،لنبدأ دون إبطاء.. كلمة تكنولوجيا حيوية هى ترجمة لمصطلح Biotechnology أى استخدام تطبيقات تكنولوجية حديثة فى معالجة الكائنات الحية .. تعريفها فى المجمل هو : التعامل مع الكائنات الحية (كائنات دقيقة - نباتات - حيوانات- البشر نفسهم ) على المستوى الخلوى و تحت الخلوى من أجل تحقيق أقصى استفادة منها صناعيًا و زراعيًا و بالتالى إقتصاديًا وذلك عن طريق تحسين خواصها وصفاتها الوراثية ((وهذا الكلام بالنسبة لكل الكائنات الحية عادا الانسان لأن الوضع يختلف نسبيًا بالنسبة للبشر لأنهم المستفيدون و ليس المستفاد منهم)).. التكنولوجيا الحيوية لديها العديد من التطبيقات أذكر منها هنا على سبيل الذكر لا الحصر: 1- بالنسبة للبشر أهم الأمثلة على الإطلاق فى رأيى: -Gene therapy أى معالجة الأمراض الوراثية فى البشر باستخدام التكنولوجيا الحيوية فى نقل و تعديل الجينات.. -إمكانية زرع أعضاء جديدة باستخدام المحتوى الوراثي لخلية المريض بدلا من أن أنقل له عضو من متبرع أو من ميت .. -التعامل فى قضايا اثبات النسب و فى الحوادث و الجرائم بالطب الشرعى بوحدات ال DNA و كذلك فحوصات ما قبل الزواج لمعرفة إحتمالية الإصابة ب...