"بالمناسبة يا جماعة مش لازم يعني أي واحد يكون برة مصر يكون غني أو شغال هناك و بيغرف فلوس أو مسجل في برنامج دكتوراة أو ماجيستير في جامعة مرموقة عشان ينقذ مصر من الإنفجار السكاني أو يكتشف دواء جزيئي لعلاج ارتفاع ضغط الدم أو سرطان الجهاز الهضمي..
عشان كل الناس اللي هارياني أسئلة و قارفني في عيشتي أنا مش بعمل حاجة محددة في الولايات المتحدة و سعيدة جدًا إني مش بعمل حاجة محددة غير إني بسافر حسب تساهيل ربنا و بحاضر أحيانًا و بقابل ناس من خلفيات مختلفة و بتكلم معاهم عن مصر و الثورة و الإسلام و الشرق الأوسط و الهندسة الوراثية و طريقة عمل البسبوسة و الجلاش بالسوداني"..
**********
"لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ" الحديد 57.
نتفق أن المبالغة في كل شيء سلبية، أن كل من الإفراط في القنوط و السخط، و كذلك الإفراط في الفرح صفات مذمومة، و أنا للأسف أرى هذا طيلة الوقت من المصريين في الداخل و في الخارج على حد السواء، المبالغة المثيرة للغثيان سواء في لطم الخدود و ندب الحظ ليل نهار كأنها نهاية الدنيا، أو التعبير المبالغ فيه عن السعادة و الفخر إذا كتب له الخروج كأنما أوتي هذا على علم منه!
(يستثنى من هذا الكلام الذين نفروا للجهاد و هذا موضوع مختلف تمامًا و ظروف مختلفة).
"فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ" القصص 79
"فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ" الأنعام 44
تذكر أنه سواء كنت في الداخل أو في الخارج فالله قد جعلك حيث كنت لسبب و لحكمة يعلمها هو، لقد جعل لك مخرجًا لسبب، أو أبقاك بالداخل لسبب أيضًا وليس عبثًا و ليس لتعذيبك و كفى! ربما هو يجهزك لشيء ما بالبقاء تحت هذه الظروف و ربما لم يكتب عليك الخروج لحكمة أيضًا لكي يتم أمر خير لك فيك لن يتم إلا بوجودك في الداخل!
لا وجود لجنة و لا نعيم كامل على الأرض، و لا عذاب مقيم بلا نهاية، و ما يبدو مبهرجًا من الخارج ليس بالضرورة كمال في الداخل، الحكم على الأشياء لابد ألا يكون قائمًا على مشاعرنا و ظروفنا المتغيرة، هذا بيان و تذكرة لي قبل أن تكون لكم، لكيلا تحزنوا على ما تظنوا أنه فاتكم و أيضًا لا تفرحوا بما آتاكم و تظنون أنه باق.. #تذكرة
at DFW - Dallas/Ft. Worth Int'l Airport.
أنا بقالي مدة طويلة برة مصر، أكثر مما يمكنني إحصاءه، لأنه مش بس قصدي التسع شهور اللي فاتوا لكن بشكل عام حتى لما كنت موجودة "فيزيائيًا" في مصر مكنتش موجودة بروحي و عقلي إلا أثناء بعض الأحداث الثورية الكبيرة التي أعادتني إلى التواجد في مصر بكل حواسي..و لهذا شبكتي الإجتماعية على أرض الواقع في مصر قبل و بعد الثورة، و قبل و بعد السفر كانت محدودة جدًا و أشعر الآن أنها أكثر انكماشًا عن السابق..
في الجامعة الحكومية التي درست فيها كنت أعطي إنطباع بأنني شديدة التحرر لدرجة تجعلني لا أرقى لدرجة "أخت" في وسط و بمقاييس الأخوات الملتزمات، و في الجامعة الخاصة التي تخرجت منها كنت الأكثر تشددًا بمقاييس المكان و البشر.. لا يعني هذا ولا ذاك أنني أقف في الوسط، أنا فقط أقف في مكان آخر تمامًا لا ينتمي للعالمين.. و ما حدث هو أنني بمشاكلي و عيوبي و حسناتي كنت مختلفة، و الإختلاف لا يعني التميز بالضرورة..
فكرة مخيفة بشدة هي أن حاليًا عدد من أستطيع أن أطلق عليهم لقب "أصدقاء" بارتياح الموجودين في كاليفورنيا و نيويورك و فيلادلفيا أكبر بكثير من جملة ما يمكنني أن أعرفهم بأصدقائي في مصر كلها.. مخيفة جدًا و مؤلمة..
كمان أنا خلاص فعلا مش حاسة إني عاوزة أعمل أي حاجة عشان اللي بيحصل في مصر يقف، حقيقي مش قادرة، و مش عاوزة أضحك على نفسي، بس أنا فعلا تعبانة جدًا نفسيًا لدرجة اللامبالاة دلوقتي، و مجرد التفكير في مصر ذات نفسها بعيدًا عن التحابيش أصلا أصبح مجهد..
بحاول استعد لفكرة إن الكهرباء هتقطع كل يوم و الجو هيبقى حر و أصحابي اللي سبتهم أحياء هرجع لواقع هما دلوقتي فيه ميتين، و هحاول أمشي جنب وزارة الدفاع و ميدان العباسية في منطقتي من غير ما يغمى عليا من الحزن و الألم، و هعافر جدًا عشان استحمل أسمع سخافات ناس كتير منكم هيفضلوا يسألوني بمنتهى الاستفزاز و عدم الاحساس "أنتي نزلتي مصر ليه؟"، و هحاول أتجاهل شماتة ناس أكتر كان نفسهم يبقوا في مكاني و هما مش عارفين اللي فيها بس هيفرحوا إني خلاص رجعت أقف في نفس مكانهم..
أنا حقيقي خايفة قوي من مصر اللي في صفي أكتر من مصر اللي ضدي، و حاسة إني هرجع استخبى و ما أشوفش أي حد عشان أريح نفسي من سخافات البشر..
مارس 2014
أوكلاند، كاليفورنيا
*****************
الآن أنا في مصر منذ 45 يومًا مضوا كأنهم 45 سنة، أتذكر الأيام الخوالي و أعيش في الماضي و فيما حدث و فيما أكن أكثر من الحاضر، أعني الثورة و السفر و الدراسة و كل الاشياء التي حدثت بينهم، زلزال نفسي كبير مازال يرهقني التفكير فيه ، لكن لا شيء موجود و يبدو و كأن الزمن توقف بي عند 2005 لكن الفرق هو أنني ربما أحمل بضع شعرات بيض غير مرئيين و لا أدرس ولا أعمل ولا أثور..
مصر نفسها أصبحت مقيتة جدًا ثقيلة الظل تجثم على روحك، أصبحت خليط من سجن و سيرك و قبر و مستشفى أمراض عقلية في نفس الوقت، لا يوجد أي مساحة للحركة أو الفعل أو القول الإيجابي، أشعر أنني أختنق بأفكاري و مشاعري التي لا رغبة لأحد في أن يسمعها حتى فضلا عن أن يتجاوب معها، الكل غارق في الحزن الشديد او الإنكار الشديد أو أحلام النصر الوردية غير الواقعية، شبكة معارفي تقلصت جدًا كما توقعت، مات من مات و اعتقل من اعتقل و انقطع من انقطع، لا أخرج ولا أرى أحد ولا يراني أحد، و لا مكان لي بين كل هذا.. السيناريو الذي تخيلته عن حياتي هنا يتحقق بحذافيره كأنه حدث من قبل..
رمضان جاء و الكثير يغيب، الأجواء متوترة جدًا، الإمام يقرأ و كأن أحدهم يصوب بندقية تجاه رأسه، المصلون يأتون للمسجد على استحياء و بأعداد ضئيلة، في تلك الليلة كانت الكهرباء مقطوعة في منطقة ميدان العباسية كلها، مسجد النور غارق في الظلام يظهر كقلعة كبيرة مهجورة من بعيد..
"-مفيش تراويح النهاردة؟
-إحنا صلينا العشا كل واحد لوحده.
-مفيش تهجد من السنة اللي فاتت.
-طيب يلا نروح نشوف لنا حتة نصلي فيها."
أصوات متململة كثيرة، يخرج الرجال جميعًا كأشباح في الظلام من المسجد الكبير تاركين الإمام في الخلف، تسحب النسوة العجائز كراسيهن و يرحلن عن المسجد بحثًا عن مكان آخر للصلاة..
سيريالية فكرة أن أطفىء النور في مسجد كان اسمه النور شهد إراقة دماء و مسيرات غاضبة و انتهاكات لسنين و الآن يقف خاويًا مظلمًا شاهدًا على ظلم و قهر من نوع جديد في صمت، و على الناحية الأخرى من الشارع يجلس أشباه رجال العباسية على المقاهي الكثيرة التي تغلق مداخل كل الشوارع، تتدلى كروشهم أمامهم أمتارًا، يحملون هواتفهم المحمولة في يد طلبًا لقليل من النور و يقبضون على الشيشة باليد الأخرى في الظلام الدامس، في انتظار عودة التيار للحاق بالمباراة و المسلسل "الرمضاني"..
و في هذه الأحيان، بعيدًا عن جدران هذا السجن الكبير و السيرك العبثي البائس الذي يدور فيه، تراق المزيد من الدماء، المئات يتساقطون خلف الحصار، و في المناطق الحدودية المنسية، و في هذه الأحيان القسام تصل إلى تل أبيب، في هذه الأحيان يخبرونني أن مساجد بروكلين و مانهاتن و شيكاجو تصدع بالدعاء لغزة و الدعاء على الظالمين، و أن ساحات لندن و كشمير المحتلة وحارات اليرموك المحاصر اكتظت عن آخرها بآلاف الغاضبين حاري الدماء لليوم الخامس على التوالي، يكتب الكثيرون التاريخ بصور مختلفة بينما توقف التاريخ هنا عند العام 2005 إبان حكم الصهيوني الثاني، أو ربما 1978 إبان حكم الصهيوني الأول صاحب الكامب..
بينما في تل أبيب الثانية لا صلاة ولا دعاء ولا كهرباء و أيضًا لا إعتراض، في تل أبيب الثانية معبر مغلق و تعاون دبلوماسي و عسكري صريح و لا إعتراض، في تل أبيب الثانية خربت بيوت الله و أطفئت أنوارها و خفضت أصوات مآذنها و اعتقل شيوخها و عمارها على حد سواء، في تل أبيب الثانية عادت المظاهرات على استحياء إلى سلالم نقابة الصحفيين، عادت الصرخات المعترضة إلى الوراء سنوات طويلة جدًا، ضئيلة، خجولة، منكسرة تخشي القتل بدم بارد، لا كالذي يحدث في سوريا ولا غزة ولا العراق، لا كأي شيء أصلا سوى الذي يحدث فيها الذي لا يشبه أي شيء..
**************
"ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ".
"وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ".
"وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ"
يوليو 2014
منتصف رمضان
القاهرة، مصر
عشان كل الناس اللي هارياني أسئلة و قارفني في عيشتي أنا مش بعمل حاجة محددة في الولايات المتحدة و سعيدة جدًا إني مش بعمل حاجة محددة غير إني بسافر حسب تساهيل ربنا و بحاضر أحيانًا و بقابل ناس من خلفيات مختلفة و بتكلم معاهم عن مصر و الثورة و الإسلام و الشرق الأوسط و الهندسة الوراثية و طريقة عمل البسبوسة و الجلاش بالسوداني"..
**********
"لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ ۗ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ" الحديد 57.
نتفق أن المبالغة في كل شيء سلبية، أن كل من الإفراط في القنوط و السخط، و كذلك الإفراط في الفرح صفات مذمومة، و أنا للأسف أرى هذا طيلة الوقت من المصريين في الداخل و في الخارج على حد السواء، المبالغة المثيرة للغثيان سواء في لطم الخدود و ندب الحظ ليل نهار كأنها نهاية الدنيا، أو التعبير المبالغ فيه عن السعادة و الفخر إذا كتب له الخروج كأنما أوتي هذا على علم منه!
(يستثنى من هذا الكلام الذين نفروا للجهاد و هذا موضوع مختلف تمامًا و ظروف مختلفة).
"فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ ۖ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ" القصص 79
"فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّىٰ إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم مُّبْلِسُونَ" الأنعام 44
تذكر أنه سواء كنت في الداخل أو في الخارج فالله قد جعلك حيث كنت لسبب و لحكمة يعلمها هو، لقد جعل لك مخرجًا لسبب، أو أبقاك بالداخل لسبب أيضًا وليس عبثًا و ليس لتعذيبك و كفى! ربما هو يجهزك لشيء ما بالبقاء تحت هذه الظروف و ربما لم يكتب عليك الخروج لحكمة أيضًا لكي يتم أمر خير لك فيك لن يتم إلا بوجودك في الداخل!
لا وجود لجنة و لا نعيم كامل على الأرض، و لا عذاب مقيم بلا نهاية، و ما يبدو مبهرجًا من الخارج ليس بالضرورة كمال في الداخل، الحكم على الأشياء لابد ألا يكون قائمًا على مشاعرنا و ظروفنا المتغيرة، هذا بيان و تذكرة لي قبل أن تكون لكم، لكيلا تحزنوا على ما تظنوا أنه فاتكم و أيضًا لا تفرحوا بما آتاكم و تظنون أنه باق.. #تذكرة
at DFW - Dallas/Ft. Worth Int'l Airport.
Texas
مطار دالاس - فورت وورث، تكساس
الولايات المتحدة
فبراير 2014
****************
أنا بقالي مدة طويلة برة مصر، أكثر مما يمكنني إحصاءه، لأنه مش بس قصدي التسع شهور اللي فاتوا لكن بشكل عام حتى لما كنت موجودة "فيزيائيًا" في مصر مكنتش موجودة بروحي و عقلي إلا أثناء بعض الأحداث الثورية الكبيرة التي أعادتني إلى التواجد في مصر بكل حواسي..و لهذا شبكتي الإجتماعية على أرض الواقع في مصر قبل و بعد الثورة، و قبل و بعد السفر كانت محدودة جدًا و أشعر الآن أنها أكثر انكماشًا عن السابق..
في الجامعة الحكومية التي درست فيها كنت أعطي إنطباع بأنني شديدة التحرر لدرجة تجعلني لا أرقى لدرجة "أخت" في وسط و بمقاييس الأخوات الملتزمات، و في الجامعة الخاصة التي تخرجت منها كنت الأكثر تشددًا بمقاييس المكان و البشر.. لا يعني هذا ولا ذاك أنني أقف في الوسط، أنا فقط أقف في مكان آخر تمامًا لا ينتمي للعالمين.. و ما حدث هو أنني بمشاكلي و عيوبي و حسناتي كنت مختلفة، و الإختلاف لا يعني التميز بالضرورة..
فكرة مخيفة بشدة هي أن حاليًا عدد من أستطيع أن أطلق عليهم لقب "أصدقاء" بارتياح الموجودين في كاليفورنيا و نيويورك و فيلادلفيا أكبر بكثير من جملة ما يمكنني أن أعرفهم بأصدقائي في مصر كلها.. مخيفة جدًا و مؤلمة..
بحاول استعد لفكرة إن الكهرباء هتقطع كل يوم و الجو هيبقى حر و أصحابي اللي سبتهم أحياء هرجع لواقع هما دلوقتي فيه ميتين، و هحاول أمشي جنب وزارة الدفاع و ميدان العباسية في منطقتي من غير ما يغمى عليا من الحزن و الألم، و هعافر جدًا عشان استحمل أسمع سخافات ناس كتير منكم هيفضلوا يسألوني بمنتهى الاستفزاز و عدم الاحساس "أنتي نزلتي مصر ليه؟"، و هحاول أتجاهل شماتة ناس أكتر كان نفسهم يبقوا في مكاني و هما مش عارفين اللي فيها بس هيفرحوا إني خلاص رجعت أقف في نفس مكانهم..
أنا حقيقي خايفة قوي من مصر اللي في صفي أكتر من مصر اللي ضدي، و حاسة إني هرجع استخبى و ما أشوفش أي حد عشان أريح نفسي من سخافات البشر..
مارس 2014
أوكلاند، كاليفورنيا
*****************
الآن أنا في مصر منذ 45 يومًا مضوا كأنهم 45 سنة، أتذكر الأيام الخوالي و أعيش في الماضي و فيما حدث و فيما أكن أكثر من الحاضر، أعني الثورة و السفر و الدراسة و كل الاشياء التي حدثت بينهم، زلزال نفسي كبير مازال يرهقني التفكير فيه ، لكن لا شيء موجود و يبدو و كأن الزمن توقف بي عند 2005 لكن الفرق هو أنني ربما أحمل بضع شعرات بيض غير مرئيين و لا أدرس ولا أعمل ولا أثور..
مصر نفسها أصبحت مقيتة جدًا ثقيلة الظل تجثم على روحك، أصبحت خليط من سجن و سيرك و قبر و مستشفى أمراض عقلية في نفس الوقت، لا يوجد أي مساحة للحركة أو الفعل أو القول الإيجابي، أشعر أنني أختنق بأفكاري و مشاعري التي لا رغبة لأحد في أن يسمعها حتى فضلا عن أن يتجاوب معها، الكل غارق في الحزن الشديد او الإنكار الشديد أو أحلام النصر الوردية غير الواقعية، شبكة معارفي تقلصت جدًا كما توقعت، مات من مات و اعتقل من اعتقل و انقطع من انقطع، لا أخرج ولا أرى أحد ولا يراني أحد، و لا مكان لي بين كل هذا.. السيناريو الذي تخيلته عن حياتي هنا يتحقق بحذافيره كأنه حدث من قبل..
"-مفيش تراويح النهاردة؟
-إحنا صلينا العشا كل واحد لوحده.
-مفيش تهجد من السنة اللي فاتت.
-طيب يلا نروح نشوف لنا حتة نصلي فيها."
أصوات متململة كثيرة، يخرج الرجال جميعًا كأشباح في الظلام من المسجد الكبير تاركين الإمام في الخلف، تسحب النسوة العجائز كراسيهن و يرحلن عن المسجد بحثًا عن مكان آخر للصلاة..
سيريالية فكرة أن أطفىء النور في مسجد كان اسمه النور شهد إراقة دماء و مسيرات غاضبة و انتهاكات لسنين و الآن يقف خاويًا مظلمًا شاهدًا على ظلم و قهر من نوع جديد في صمت، و على الناحية الأخرى من الشارع يجلس أشباه رجال العباسية على المقاهي الكثيرة التي تغلق مداخل كل الشوارع، تتدلى كروشهم أمامهم أمتارًا، يحملون هواتفهم المحمولة في يد طلبًا لقليل من النور و يقبضون على الشيشة باليد الأخرى في الظلام الدامس، في انتظار عودة التيار للحاق بالمباراة و المسلسل "الرمضاني"..
و في هذه الأحيان، بعيدًا عن جدران هذا السجن الكبير و السيرك العبثي البائس الذي يدور فيه، تراق المزيد من الدماء، المئات يتساقطون خلف الحصار، و في المناطق الحدودية المنسية، و في هذه الأحيان القسام تصل إلى تل أبيب، في هذه الأحيان يخبرونني أن مساجد بروكلين و مانهاتن و شيكاجو تصدع بالدعاء لغزة و الدعاء على الظالمين، و أن ساحات لندن و كشمير المحتلة وحارات اليرموك المحاصر اكتظت عن آخرها بآلاف الغاضبين حاري الدماء لليوم الخامس على التوالي، يكتب الكثيرون التاريخ بصور مختلفة بينما توقف التاريخ هنا عند العام 2005 إبان حكم الصهيوني الثاني، أو ربما 1978 إبان حكم الصهيوني الأول صاحب الكامب..
بينما في تل أبيب الثانية لا صلاة ولا دعاء ولا كهرباء و أيضًا لا إعتراض، في تل أبيب الثانية معبر مغلق و تعاون دبلوماسي و عسكري صريح و لا إعتراض، في تل أبيب الثانية خربت بيوت الله و أطفئت أنوارها و خفضت أصوات مآذنها و اعتقل شيوخها و عمارها على حد سواء، في تل أبيب الثانية عادت المظاهرات على استحياء إلى سلالم نقابة الصحفيين، عادت الصرخات المعترضة إلى الوراء سنوات طويلة جدًا، ضئيلة، خجولة، منكسرة تخشي القتل بدم بارد، لا كالذي يحدث في سوريا ولا غزة ولا العراق، لا كأي شيء أصلا سوى الذي يحدث فيها الذي لا يشبه أي شيء..
**************
"ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ".
"وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ".
"وَقَالَ مُوسَىٰ رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ ۖ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّىٰ يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ"
يوليو 2014
منتصف رمضان
القاهرة، مصر
تعليقات