التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ثرثرة في الغربة: رمضان بلا مصر

ما زلت أبحث عن روائح وألوان ونكهات وذكريات الوطن في كل متجر عربي أزوره، في وجوه البشر وأصواتهم، في أجسام المصريين الممتلئة، في علب السمن و الجبن الدمياطي الأبيض، في ماركات الطعام المصرية القديمة التي توقفوا عن إنتاجها في مصر حتى عصير فرجللو غريب الطعم و حلاوة الرشيدي الميزان، لكن بطريقة ما يتحصل عليها سعيد أو صبحي أو زكريا تجار الجملة المصريين في نيوجيرسي بالذات..
في إصرار مبهر، ما زال المصريين و غيرهم من المهاجرين يحاولون إحضار ما يستطيعون من الوطن الذي تركته أجسادهم و لم تتركه خواطرهم، ولو استطاعوا لأحضروا الوطن كله ها هنا إلى العالم الجديد..

يمكنني أن أتنازل عن بعض هذه الأشياء على مضض و أبتلع مرارتي،  لكن رمضان يجعل الأمر صعب جدًا، مشاهد ومشاعر رمضان المصري الفلكلوري المحببة تجعل من الصعب على من عاشه و ألفه أن يتاقلم في أي مكان آخر، مهما حاولت أن أقنع نفسي بحكمة العبادات مع اختلاف المكان والزمان ومهما فسرت وحللت ، ما زالت لدي تلك الغصة في حلقي، و أعلم أن كوب من شراب التمر الهندي أو كيس من المخلل قد يفعلا ما لا يفعله أي شيء آخر لتذهب غصتي..

لذلك أقتنص الفرص لمحاولة الحصول على بعض مما فقدت، أنسج الحكايا الجديدة المعبقة بالماضي، أحاول تجميع ما تبقى مني ومن خيوط ذكرياتي لأحصل على شيء ما يقترب قدر الإمكان مما اعتدته من الأشياء..

كان صديق لنا في زيارة لنيويورك وأرسلت له صورة هذا الشيء الذي لم يعرف ما هو ليسأل عن سعره، علم أنه بعشرة دولارات.. قلت لنفسي: "عشرة دولارات؟ هذا كثير! هذه سرقة! كنت لأشتريه من باب الشعرية ب٢٠ جنيهًا لو كنت و كنت و كان..!"

لكنني لم أكن إلا هنا، على الجانب الآخر من المحيط ، لا أرى رمضان بصريًا إلا في الزينة التي أحضرتها معي و الإمساكية، ما كان لي إلا أن تنازلت عن غروري للحصول على فانوس صاج مصري أصيل يشبه عشرات الفوانيس التي امتلكتها في العشرين سنة و بضع الماضية و زهدتها في فترة عندما غزا الصيني الأسواق ببطارياته و أغانيه.. 
أذكر أنه في إحدى هذه الأعوام البعيدة أصر أخي الصغير على الحصول على فانوس يغني "كمانانا"، و أصبح هذا اسمه الذي تناديه بي خالتي منذ ذلك الحين رغم أنه في طول و عرض الباب حماه الله..

و أخيرًا جاء الفانوس في ثاني أيام رمضان، كنت أتقافز كطفلة صغيرة عندما أخرجته من الحقيبة البلاستيكية، قطعة من الماضي لا تنتمي إلى هذا الحيز الفيزيائي، كأنه نيزك سقط على الأرض توًا من الفضاء في يدي..
كنت على وشك أن أسأل الفانوس إن كان بخير بعد هذه الرحلة الطويلة، وعن أبي و أمي و هل شاخا إلى الحد الذي تظهره كاميرات سكايب أم لا؟ هل وجدهم بخير آخر مرة رأهم؟ ثم تذكرت أنه لا يتكلم و تذكرت أنهم و كل شيء بعيد جدًا..

لا أعلم شيء عن رحلة الفانوس العزيز الطويلة حتى وصل إلي، إلا أنه من صنع عم ما قد يكون أحمدًا أو منصورًا أو عبد السلام، جلس في ورشة صغيرة متهالكة في حي قاهري شعبي قد يكون السيدة زينب أو السيدة عائشة، هذا العم الطيب يعمل في هذه المهنة منذ عشرات السنين و يدخن السجائر بشراهة و يفقد عدة أسنان، و لم يعرف
هذا العم أنه صنع بهجتي على بعد قارات و أميال و بحار و محيطات.. شكرًا جزيلًا أينما كنت..

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

و للتكنولوجيا الحيوية ألوان أربعة

مازلنا فى مرحلة التوضيح ، وجدت أن هناك تقسيم آخر لمجالات التكنولوجيا الحيوية (كتبته بتلخيص التلخيص)وهو كما يلى : Red Biotechnology التكنولوجيا الحيوية الحمراء وهى التكنولوجيا الحيوية فى المجال الطبى-أهمهم على الإطلاق و أخطرهم و أحبهم إلى قلبى -من أمثلتها إنتاج المضادات الحيوية باستخدام الكائنات الحية ، استخدام الهندسة الوراثية لمعالجة الأمراض و منابلة الجينات، وكذلك إمكانية إنتاج أدوية خاصة بالمحتوى الجينى لفرد ما ( اخترت أن يكون بحثى فى هذا المجال بالذات ، وهو يحتاج منا مقالة خاصة به ).. مصطلحات تكنولوجيا حيوية حمراء يجب وضعها فى الاعتبار: Genomic manipulation Gene therapy Pharmacogenomics SNPs -------------------- Green Biotechnology التكنولوجيا الحيوية الخضراء وهى التكنولوجيا الحيوية فى المجال الزراعى ، من أمثلتها إنتاج النباتات المعدلة وراثيًا ذات الفوائد العدة كما أخبرنا من قبل باستخدام زراعة الأنسجة أو غيرها ، الوقود الحيوى ، المبيدات الحشرية غير الكيميائية، الأسمدة الحيوية .. مصطلحات تكنولوجيا حيوية خضراء يجب وضعها فى الاعتبار: Transgenic crops Mic...

أنا أصلـــى إذن أنا أفعل معجزة !!

قال تعالى:(حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلفظ انفاسه الأخيرة :(الصلاة الصلاة وما ملكت ايمانكم) (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته ، فإن صحت فقد افلح وانجح ، وإن فسدت فقد خاب وخسر ، فإن انتقص من فريضته شيئ قال الرب عز وجل : انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل منها ما انتقص من الفريضة ؟ ثم تكون سائر اعماله على هذا ظاهرة غريبة بقالها فترة طويلة ، إن الناس بقوا يعتبروا الصلاة العادية –صلاة الفروض الخمسة - نهاية المطاف روحانياً و إيمانياً بالنسبة للإنسان و مقياس أساسى لأخلاقه .. الصلاة ما بقتش حاجة أساسية فى حياتنا ، لا بنراعيها فى مواعيد برامجنا ولا مواعيد محاضراتنا ولا مؤتمراتنا ولا مواعيد الانصراف و الحضور.. و ده وصلنا لإننا بقينا نسمع عبارات من النوع ده عادى جدا: "ده راجل بيصلى و عارف ربنا" " بسم الله ماشاء الله عليها بتصلى وعارفة ربنا" "ده راجل عارف ربنا ما يصحش يعمل كدة" فى أى مجموعة من أى فئة سواء كانوا شباب نساء أو بنات أ...

Biotechnology تكنولوجيا حيوية (2)

حسنًا،لنبدأ دون إبطاء.. كلمة تكنولوجيا حيوية هى ترجمة لمصطلح Biotechnology أى استخدام تطبيقات تكنولوجية حديثة فى معالجة الكائنات الحية .. تعريفها فى المجمل هو : التعامل مع الكائنات الحية (كائنات دقيقة - نباتات - حيوانات- البشر نفسهم ) على المستوى الخلوى و تحت الخلوى من أجل تحقيق أقصى استفادة منها صناعيًا و زراعيًا و بالتالى إقتصاديًا وذلك عن طريق تحسين خواصها وصفاتها الوراثية ((وهذا الكلام بالنسبة لكل الكائنات الحية عادا الانسان لأن الوضع يختلف نسبيًا بالنسبة للبشر لأنهم المستفيدون و ليس المستفاد منهم)).. التكنولوجيا الحيوية لديها العديد من التطبيقات أذكر منها هنا على سبيل الذكر لا الحصر: 1- بالنسبة للبشر أهم الأمثلة على الإطلاق فى رأيى: -Gene therapy أى معالجة الأمراض الوراثية فى البشر باستخدام التكنولوجيا الحيوية فى نقل و تعديل الجينات.. -إمكانية زرع أعضاء جديدة باستخدام المحتوى الوراثي لخلية المريض بدلا من أن أنقل له عضو من متبرع أو من ميت .. -التعامل فى قضايا اثبات النسب و فى الحوادث و الجرائم بالطب الشرعى بوحدات ال DNA و كذلك فحوصات ما قبل الزواج لمعرفة إحتمالية الإصابة ب...