لم أقابل موريتانيًا واحدًا يتكلم العربية بين كل من قابلتهم من موريتانيا في السنوات الماضية في الولايات المتحدة، و في البداية كان هذا الأمر محل دهشة كبيرة لي لأن معلوماتي عن التركيبة العرقية والسياسية لهذا البلد أساسية جدًا تكاد تكون معدومة أصلا، ظننتها دائمًا دولة عربية يتكلم سكانها جميعًا العربية مثلنا ويشاركوننا تراثًا متشابهًا، معلومات سطحية جدامثلها مثل معلوماتي عن مكان كجزر القمر أو بوركينا فاسو أو حتى البحرين..
في البداية كانوا واحدًا أو اثنين، جميعهم رجال في منتصف العمر داكني البشرة تظهر عليهم علامات التدين من الملابس ذات السمت الديني والحفاظ على الصلاة في مواعيدها، أسمائهم الأولى عربية في الغالب أما أسماء عائلاتهم فكانت غير مألوفة لي تماما، يقولون أنهم يتكلمون لغة تدعى الفولانية أو البولارية، وأنهم أتوا إلى هنا منذ عشر أو خمسة عشر سنة، ثم تحول الأمر إلى نمط متكرر يشي بأمر أكثر تعقيدًا من مجرد مصادفة، كيف يمكن للعشرة موريتانيين الذين قابلتهم كلهم ألا يعرفوا العربية؟ لماذا يتوترون بشدة عندما أسألهم عن ذلك؟ لماذا يتحدثون مع السنغاليين بحفاوة شديدة؟ ما السبب في أن جميعهم رحلوا من هناك في بدايات ومنتصف التسعينييات؟
كان فضولي شديد ولم تفلح محاولاتي في استخراج أي معلومات منهم على استحياء بصورة غير مباشرة، كما أنه لا تسمح طبيعة عملي بتجاوز هذا الحد من الأسئلة الشخصية خاصة وأنهم جميعًا لاجئين إنسانيين، بدأت بالبحث ودهشت لشحة المعلومات المتوفرة بالعربية عن هؤلاء القوم الذين يمثلون نسبة ليست بالقليلة من سكان موريتانيا وكأن هذا التعتيم قد حدث عن قصد، بل إنني تعثرت في مقالات عربية بها معلومات خاطئة تظهر في أوائل نتائج محركات البحث إلى أن وصلت إلى تفريغ وثائقي قديم عن قصتهم وضح لي بعض هذه الألغاز، وذكر بعض التفاصيل عن أحداث أزمة دبلوماسية بين موريتانيا والسنغال قررت فيها كل واحدة منهم أن تطرد وتشرد وتعتدي على المواطنين الذين ينتمون عرقيًا للدولة الأخرى، وكان أن قامت موريتانيا بنفي وطرد وتشريد الفولانيين وأصحاب البشرة السمراء من القبائل الأخرى حتى من حمل منهم الجنسية الموريتانية وولد فيها بناءًا على عرقه، ويبدو أن العالم كله كان يفعل أمورا مشابهة لذلك في هذه الفترة الملتهبة عرقيًا..
الشق الأخر والذي قد يكون أهم جذور المشكلة هو حقيقة أن موريتانيا واحدة من أكبر الدول التي تمارس فيها تجارة الرقيق واسترقاق البشر لأجيال بالمعنى الكلاسيكي الذي نعرفه جميعًا حتى يومنا هذا، وقد تم تقنينها وتشريعها وتبريرها دينيًا، وتوجد حركات مناهضة للعبودية يسجن وينفى ويجرم قادتها ومنظريها، ويبدو لي أن هؤلاء الذين قابلتهم قدر لهم أنهم ولدوا لعائلات مستعبدة منذ أجيال وفروا بحياتهم من الرق، ببعض البحث وجدت بعض المقالات والتقارير أسرد بعضها هنا:
اضطهاد طائفة "لمعلمين" في موريتانيا
"لمْشاقيل ولمْعلْمين والصُنّاع" ... تسميات عديدة لشريحة موريتانية امتهن رجالها، منذ القدم، مهنة الحدادة والنجارة، وارتبطت سيداتها بتزيين النساء بنقش الحنَاء.
ووفق كتَاب ونشطاء حقوقيين، ظلت الشريحة حاضرة بقوة في تاريخ المجتمع الموريتاني، وكانت وحدها تضطلع بصنع الآلات اللازمة للزراعة ومتطلبات الحياة الريفية والقروية، وفي العصور المدنية اللاحقة تابعت الشريحة نشاطها المهني، وظلت تزود السوق بصناعات محلية ما زالت تحظى بإقبال الناس عليها.
يشتكي لمْعلمين في موريتانيا من ظلم معنوي ومادي وتهميش مجتمعي، يتجلي في حرمانهم من الوظائف السياسية والدينية، ورفض المجتمع مصاهرتهم رغم أن أصولهم عربية، وفق ناشطيهم وفقهائهم، فيما يتواجد أبناء الشريحة في جميع ولايات الجمهورية، ولا توجد أرقام رسمية تحدد أعدادهم بالضبط. وخلافاً للزنوج والحراطين -طائفتان تعانيان التهميش المجتمعي- لم يدافع لمشاقيل عن حقوقهم منذ بداية قيام الدولة، لكنهم انتفضوا أخيراً ضدّ ما يسمّونه الاحتقار المتجذر في ذهنية المجتمع.
------
نخبة عربية أمازيغية تستعبد السود الأفارقة في موريتانيا
في موريتانيا لا يزال هناك أطفال يولدون عبيدًا ولا يتمتعون بأية فرصة لتحرير أنفسهم من حياة العبودية والرق. هذه الحقيقة تمثل أكثر أشكال العنصرية العربية الأمازيغية تطرفًا في منطقة شمال أفريقيا، كما يرى الناشط الموريتاني المدافع عن حقوق الإنسان، بيرام ولد إعبيدي في حواره التالي لموقع قنطرة مع كلاوديا مينده حول العبودية والرق في موريتانيا، مؤكدا على أهمية فتوى إسلامية معززة للمساواة ومحرِّمة للرق والعبودية.

تعليقات