تقريبا ثلاثة أشهر مضت منذ الرابع عشر من يناير 2011، أتذكر هذا اليوم جيدًا، يوم هرب بن علي الذي لم أكن أعرف اسمه بالكامل أو كيف يبدو من قبل إلا بعد خطابه الأخير، هذا يوم شعرت فيه بالفخر كوني عربية لأول مرة في حياتي القصيرة، و بالخزي أضعافًا مضاعفة كوني مصرية لا تونسية بكل ما كانت الجنسية المصرية تحمل لي من آلام، اعتدت أن أعتبر كوني مصرية عبء نفسي علي وعلى أي مصري شريف واعي لما يحدث حوله، فقد الأمل في أن يحيا جسد ميت نخره السوس منذ زمن مرة أخرى..
الآن و قد انقلبت الموازين أشعر بالسخف لأن هذه المشاعر أرقتني أعوامًا طويلة بالفعل، و لكن كنت لأشعر بالسخف أيضًا لو توقعت أنه ستكون هناك سلسلة من الإنتفاضات في العالم العربي و أنا على أعتاب الواحد و العشرين من العمر، لم يكن هناك مفر من الشعور بالسخف على أي حال..
هجرت المدونة لأسباب كثيرة أولها أنني عالقة في اللامكان_ حرفيًا_ لا أدري إلى أين سينتهى بي المطاف و ما الذي سيؤول إليه كل ما فعلته و أفعله ، أتأرجح بعنف بين نشوة و غضب ، أمل و إحباط، فرحة و ترقب، أجد صعوبة في ملاحقة كل ما يحدث من حولي فضلا عن الكتابة عنه و أخشى ما أخشاه ألا أحيا حتى أرى مصر أحلامي التي تخيلت أنني سأراها ، برومانسية "تحريرية" غير واقعية حلمت قبل أن يوقظني الواقع بصفعة محترمة أن ستون عامًا و نيف من الفساد تحتاج أعوامًا و أعوامًا كي يستوعب الناس فداحتها قبل أن يبدأوا بالتنظيف..
أضف إلى ذلك باقي الثورات الأخرى التي أصابتني بالدوار، لا أصدق نفسي و أنا أتكلم عن الثورات العربية كأنني أتكلم عن مباريات دوري كرة القدم في مصر ، تحليلا و توقعًا و حساب لنقاط الفوز و الخسارة..
هجرت المدونة لأن الكتابة أصبحت ترفًا لا أملكه، بالإضافة إلى حقيقة أن الكل قد تحول بقدرة قادر إلى محللين سياسيين و خبراء علم نفس و إجتماع و إقتصاد و علم جريمة من الدرجة الأولى، كتاب و محللين و مصورين، و سائقي تاكسي، خبراء و هواة و أنصاف هواة، باختصار سيرك (فكري-لا فكري) لا يسعدني أبدًا أن أكون جزءًا منه..
مشكلة الوضع الحالي تتلخص فيما قاله أحد أصدقائي عن العملاق النائم الذي إذا ما تحرك قليلا حرك كثيرًا رغمًا عنه و رغمًا عن كل من حوله، للأسف مصر كانت و مازالت عملاقة رغم أنني لا أطيق سماع نغمة الوطنية المبالغ فيها أو المشاركة فيها لكن لابد من الإعتراف بأن مصر كبيرة بالفعل، حتى و إن لم تكن جنة الله المختارة على الأرض إلا أنها تظل أكبر بكثير من الإنهزامية التي مازال يشعر بها بعض أبناءها الساخطين على الناحية الأخرى من الوطنيين العاطفيين..
بالفعل مصر العجوز أشبه بديناصور في فيلم خيال علمي من عصور ما قبل السينما ثلاثية الأبعاد، عملاق نائم بطيء الحركة بالتبعية قرر أن يستيقظ فجأة من سباته العميق، انتفض بقوة و عنفوان لم يتوقعه منه أحد ثم ما لبث أن بدأ في التهادي..
في نفس الوقت يتسابق الجميع في الحديث عنه و تصويره و توقع حركته و في النهاية يفشلون جميعًا لأنها "مصر" ، ولأن كل شيء محتمل الحدوث سواءًا كان في أسوأ كوابيسك أو كان في أكثر أحلامك سخفًا..ربما ينجح بينهم هذا القزم الواقف بعيدًا الذي خرج من الدائرة ليراقب في صمت فيرى الصورة كاملة لكن لا أحد يعلم حقًا..
المهم و بما أنني من الأقزام الذين يحيطون بالعملاق و أصابهم بعض من هذا التغيير أيًا كان نوعه فكرت في البدأ بنشر بعض كتاباتي القديمة التي لم أنشرها لأسباب عديدة أولها فقداني الأمل و شعوري باللاجدوى من الكتابة عن أي شيء يخص مصر، أفعل هذا الآن لأقارن بين أفكاري و توقعاتي والواقع الحالي، ربما يلفت الماضي نظري إلى أشياء غابت الآن في ظل حالة التوتر التي نمر بها جميعًا نظرًا لتعقد الموقف..
أنشرها الآن بعدما تجدد الأمل نسبيًا و حدث ما لم أكن أتوقعه في أكثر أحلامي جموحًا، ربما للعبرة و ربما لكي تتعرفوا على "أنا" قبل الإنتفاضة التي لا أحب أن أسميها ثورة..
يتبع......
تعليقات
بس استغربت من توقيت نشرها