التخطي إلى المحتوى الرئيسي

أفكار ما قبل إنتفاضة الخامس و العشرين من يناير (2)

كتبت هذا في السادس و العشرين من نوفمبر 2010 الماضي بلا عنوان و لم أنشره أبدًا..
اندهشت كثيرًا من بعض ما أوردت في هذه التدوينة و أنا أقرأها بعد الخامس و العشرين من يناير و خاصة الكلام عن صحوة مصرية الذي كنت أعتبره مزحة شديدة السخف..
مشاعر دهشة حقيقية أعقبتها تنهيدة إرتياح تحررت إذ علمت أن التشاؤم الذي كان يصر الجميع على وصفي به لم يكن تشاؤمًا إلى هذه الدرجة، ربما يمكن اعتباره الآن محاولة بها شيء من العقلانية لوصف المنظومة المختلة التي كانت_ و مازالت _تعمل بها هذه الأرض الطاهرة التي كُتبت عليها المعاناة الأبدية بلا سبب..
*********************


عن مطر و الميكروباص و الموتى الأحياء

طوال الوقت و بصورة وسواسية تتردد تلك الأبيات في رأسي من لافتة أحمد مطر "على باب القيامة" و ذلك أثناء رحلتي اليومية من البيت إلى الجامعة، رحلة أبدل فيها أربع حافلات و أقضيها بمفردي في واقع لا يرحب بي فيدفعني دفعًا إلى أن أمضي وقتي شاردة النظرات من شباك الميكروباص المكتظ في عالمي الإفتراضي الخاص..

و لمن لا يعرفها، مطلع اللافتة كالتالي:
" بَكى مِن قَهْريَ القَهرُ
وأشفَقَ مِن فَمي المُرُّ
وَسالَ الجَمْرُ في نَفْسي
فأحرَقَ نَفسَهُ الجَمرُ.


بِكُلِّ خَلِيَّةٍ مِنّي

لأهلِ الجَوْرِ مَحرقَةُ ُ
تُزمجرُ : مِن هُنا مَرّوا."
"وإنّي صابِرٌ دَوماً على بَلوايَ
لَمْ تَطرُقْ فَمي شكوايَ
لَو لَمْ يَستَقِلْ مِن صَبْريَ الصَّبْرُ.

أُعيذُ الصَّبرَ أن يُبلي
ذُبالَةَ قَلبهِ مِثلي
لِلَيْلٍ مالَهُ فَجْرُ."
*******
طوال فترة دراستي في تلك الجامعة- خاصة بعد تجربة السفر الأليمة إلى الخارج عندما صارحتني الظروف بحقيقة كوني إنسان- و حتى وقت قريب كنت أشعر بالحنق الشديد طيلة الوقت بمناسبة أو بلا مناسبة، بطاقة سلبية لا مثيل لها، بالشفقة على نفسي كلما تنمر علي سائق ميكروباص أو ضابط شرطة، كلما صعدت إلى حافلة عامة مكدسة أو طال انتظاري على المحطة لأكثر من ساعة على أمل ظهور الحافلة الوحيدة التي تذهب إلى بيتي ولا تأتي أبدًا عندما أحتاجها.

كنت أثور و أصرخ و أبكي لأتفه الأسباب، أتشاحن مع المارة بأسلوب فج يبهرهم ربما لأنه لا يوحي به مظهري، لذا كانت رحلة ذهابي للجامعة و مازالت عذاب أبدي أدعو الله يوميًا أن يخلصني منه دون أن أصاب بارتفاع ضغط الدم أو جلطة  في المخ.
هكذا كنت أفكر طوال الوقت:  "حتى متى؟ و لماذا؟ و ماذا فعلت في حياتي أصلا كي أعامل مثل هذه المعاملة؟ هل كان خطأي أنني وجدت ها هنا و هي مخروبة بالأساس؟!" 

إلا أنني تدربت مؤخرًا على أن أدور بنظري قليلا لدقائق و أتأمل من حولي من المارة و الواقفين، حينها فقط يتلاشي أي شعور سلبي ذاتي. جرب و افعلها لدقائق ثم تأمل حالك بعدها، إن الشعور بأي رثاء لنفسك يصبح بعد تلك الجولة البصرية القصيرة في شوارع القاهرة سخيفًا جدًا من فرط ما ستراه من مآسي بشرية في الشارع المصري المترب كئيب المنظر، في تلك المدينة التي لم تسمى عبثًا "قاهرة"..


أبسط السيناريوهات و أكثرها توافرًا هو معاناة إمرأة عجوز لا ظهر لها..
سيناريو رؤية إمرأة عجوز خرجت لتوها من مستشفى الهلال الأحمر في رمسيس ، لابد أنهم كانوا يعذبونها بالداخل في متابعة تأمين صحي أو ما شابه فقط لتخرج لعذاب آخر في رحلة عودتها إلى المنزل الذي لابد أنه يقع في منطقة عشوائية في أقصى أقاصي مصر أو في الطرف الآخر من القاهرة..
عابسة يائسة مريضة ستراها، لاهثة تركض وراء الحافلة المتوجهة إلى مدينة السلام  أو موقف العاشر و التي تمر مرة واحدة كل ساعتين دون أدنى أمل في أن يتوقف السائق حاد المزاج لها أو أن يستعطفه أحد الواقفين أو الراكبين الذين يعانون بدورهم..

رأيت و سأظل أرى مئات من مثل هذه السيدة العجوز على مدار يومي، سلسلة لا متناهية تقضيها هي في العذاب الأبدي على ذنب لم تقترفه و أقضيها أنا في الشعور بالمرارة و أنا أقف عاجزة كليًا لا يتوفر لدي أي حل لأساعدها..
بعدها أصبح هذا النوع من الأفكار هو الذي يدور برأسي:
"صدقًا، ماذا فعلت هذه العجوز في حياتها كي تعامل مثل هذه المعاملة؟ و حتى متى؟ هل كانت جريمتها الوحيدة أنها تواجدت هنا في هذه الظروف و هي مخروبة من الأساس؟ أم ربما ساهمت في إحداث هذه الحالة لأنها لم تتعلم أن تقول لا؟"

*************
"أُشاغِلُ قَسْوَةَ الآلامِ: ما الضَيْرُ؟
سَتصحو أُمَّتي يَوماً
وِعُمْري دُونَ صَحْوَتِها هُوَ النَّذْرُ.
فتَضْحَكُ دَورةُ الأيّامِ:
كَمْ دَهْراً سَيْبلُغُ عِندَكَ العُمْرُ؟!
أَدِرْ عَيْنَيكَ..
هَل في مَن تَرى بَشَرُ ُ؟
وَهَلْ في ما تَرى بِشْرُ؟

بِلادُك هذِه أطمارُ شَحّاذٍ

تُؤلّفُها رِقاعُ ُ ما لَها حَصْرُ.

تَوَلَّتْ أمرَها إِبرٌ
تَدورُ بِكَف رقّاعٍ
يَدورُ بأمرِهِ الأمرُ.
وما من رُقعَةٍ إلاّ وَتَزعُمُ أنَّها قُطْرُ!

***************
أدور بعيني مرة و أذني مرة أخرى فأسمع حوارات و نقاشات حامية عن موضوعين حصريين في الحافلات المصرية: غلاء الأسعار و الكرة..
نقاشات الحافلة يشارك فيها الجميع نساءًا و رجالا و هي من الأشياء القليلة التي يتشارك فيها النساء و الرجال في فعل شيء في القاهرة عدا المشاحنات..

أرى بعدها جموع مشجعي الأهلي المراهقين و أشباه المراهقين تصعد إلى الحافلة بالملابس الحمراء يتبادلون السباب البذيء و الهتافات، طاقة جبارة تفرغ في المسار الخاطىء. بالطبع لابد أن أشك بعدها في إحتمالية حدوث صحوة من أي نوع و أنا على قيد الحياة!

أتذكر بعدها ما قاله لي عدد غير قليل من معارفي الأمريكان و هو أن الغرب يخشى حدوث ثورة إسلامية في مصر إذا ما حدث تمكين للإخوان المسلمين بأي صورة لذلك تساند الحكومة الغربية النظام المصري.

إسلامية؟! هل حقًا ذكر لي أكثر من شخص كلمة "ثورة إسلامية"؟!
أين يعيش هؤلاء القوم و ماذا يعرفون عنا؟ المضحك في الأمر أن هذا الرأي شائع بين عدد كبير في أوساط المثقفين الغربيين رغم أن الوضع لا يوحي بثورة بتنجانية حتى يوحي بثورة إسلامية..
 المسلمون المصريون شأنهم شأن المصريون المصريون: لم و لن يجتمعوا على كلمة في القريب العاجل كي يقوموا بثورة..

**************
وفيها الشّعبُ مَطروحٌ على رُتَبٍ

بِلا سَبَبٍ

ومقسومُ ُ إلى شُعَب
لِيَضرِبَ عَمْرَها زَيدُ ُ
ويَضَرِبَ زَيْدَها عَمْرو.

مَلايين مِنَ الأصفارِ
يَغرَقُ وَسْطَها البَحْرُ..
وَحاصِلُ جَمْعِها: صِفْرُ!
**************
أقول لنفسي بعدها : أنا لا أنتمى إلى هنا، لماذا أهتم أساسًا، سأتخرج قريبًا، سأرحل في أقرب فرصة غير مأسوف علي و ستنتهي أي روابط بيني و بين هذا المكان، إلى الأبد، لماذا أهتم حقًا؟، لن أهتم بعد الآن..! 

أحمد مطر العزيز هنا متفائل جدًا على غير العادة، لم أصدق أنه قد يفكر بهذه الصورة لذلك إنحزت إلى "الأيام" في ذلك الجزء من القصيدة لأنها أكثر واقعية:


"ألوذُ بِصَدْرِ أبياتي

وأُطمعُها وأُطمِعُني
بأنَّ أَتِيَّها الآتي
سَيَهدِمُ ما بَنى المَكرُ
فَيثأرَ بائِسٌ ويَثورَ مُعْتَرُّ.
وَأنَّ سَماءَها لا بُدَّ أن تبكي
لِيَضحَكَ للثَّرى ثَغْرُ.
تَقولُ: اصبِرْ على المَوتى
إلى أن يَبدأَ الحَشْرُ.
فلا عِندي عَصا موسى
وِلا في طَوْعِيَ السِّحْرُ.
سَماؤكَ كُلها أطباقُ أسْمَنْتٍ
فلا رَعْدٌ ولا بَرقٌ ولا قَطْرُ.
وَأرضُك كُلُّها أطباقُ أسْفَلْتٍ
فلا شَجرٌ ولا ماءٌ ولا طَيرُ.
فَماذا يَصنَعُ الشِّعرُ؟!

قل لي يا مطر، حقًا ماذا يصنع الشعر مع هؤلاء؟
هل مازال هناك أحياء في هذه الأرض الخراب؟!

يا عزيزي:
دَعِ المَوتى

ولا تُشغَلْ بِهَمِّ الدَّفنِ إذ يَبدو

لِعَيْنكَ أنَّهُم كُثْرُ..
بلادُك كُلُّها قَبْرُ!

"لَقَد كَفَّرتَ إيماني
فَكَفِّرْ مَرَّة يا شَعبُ عن ذَنبي
عَسى أن يُؤمِنَ الكُفرُ!
وقَد خَيَّبتَ آمالي
فَخَيِّبْ خَيْبَتي يَوماً
وقُّلْ لِلشِّعرِ ماذا يَصنَعُ الشِّعرُ؟!"

قل للشعر ماذا يصنع الشعر.....؟
**************
كتبت في نوفمبر 2010

تعليقات

‏قال عمرو فكرى
لما قريت البوست ده اول مرة وكان من غير صور .. قلت ف بالى البوست ده ناقصه صور ويبقى بوست عالمى
بجد والله

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

و للتكنولوجيا الحيوية ألوان أربعة

مازلنا فى مرحلة التوضيح ، وجدت أن هناك تقسيم آخر لمجالات التكنولوجيا الحيوية (كتبته بتلخيص التلخيص)وهو كما يلى : Red Biotechnology التكنولوجيا الحيوية الحمراء وهى التكنولوجيا الحيوية فى المجال الطبى-أهمهم على الإطلاق و أخطرهم و أحبهم إلى قلبى -من أمثلتها إنتاج المضادات الحيوية باستخدام الكائنات الحية ، استخدام الهندسة الوراثية لمعالجة الأمراض و منابلة الجينات، وكذلك إمكانية إنتاج أدوية خاصة بالمحتوى الجينى لفرد ما ( اخترت أن يكون بحثى فى هذا المجال بالذات ، وهو يحتاج منا مقالة خاصة به ).. مصطلحات تكنولوجيا حيوية حمراء يجب وضعها فى الاعتبار: Genomic manipulation Gene therapy Pharmacogenomics SNPs -------------------- Green Biotechnology التكنولوجيا الحيوية الخضراء وهى التكنولوجيا الحيوية فى المجال الزراعى ، من أمثلتها إنتاج النباتات المعدلة وراثيًا ذات الفوائد العدة كما أخبرنا من قبل باستخدام زراعة الأنسجة أو غيرها ، الوقود الحيوى ، المبيدات الحشرية غير الكيميائية، الأسمدة الحيوية .. مصطلحات تكنولوجيا حيوية خضراء يجب وضعها فى الاعتبار: Transgenic crops Mic...

أنا أصلـــى إذن أنا أفعل معجزة !!

قال تعالى:(حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى وقوموا لله قانتين) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يلفظ انفاسه الأخيرة :(الصلاة الصلاة وما ملكت ايمانكم) (بين الرجل وبين الكفر ترك الصلاة) إن أول ما يحاسب به العبد يوم القيامة من عمله صلاته ، فإن صحت فقد افلح وانجح ، وإن فسدت فقد خاب وخسر ، فإن انتقص من فريضته شيئ قال الرب عز وجل : انظروا هل لعبدي من تطوع فيكمل منها ما انتقص من الفريضة ؟ ثم تكون سائر اعماله على هذا ظاهرة غريبة بقالها فترة طويلة ، إن الناس بقوا يعتبروا الصلاة العادية –صلاة الفروض الخمسة - نهاية المطاف روحانياً و إيمانياً بالنسبة للإنسان و مقياس أساسى لأخلاقه .. الصلاة ما بقتش حاجة أساسية فى حياتنا ، لا بنراعيها فى مواعيد برامجنا ولا مواعيد محاضراتنا ولا مؤتمراتنا ولا مواعيد الانصراف و الحضور.. و ده وصلنا لإننا بقينا نسمع عبارات من النوع ده عادى جدا: "ده راجل بيصلى و عارف ربنا" " بسم الله ماشاء الله عليها بتصلى وعارفة ربنا" "ده راجل عارف ربنا ما يصحش يعمل كدة" فى أى مجموعة من أى فئة سواء كانوا شباب نساء أو بنات أ...

Biotechnology تكنولوجيا حيوية (2)

حسنًا،لنبدأ دون إبطاء.. كلمة تكنولوجيا حيوية هى ترجمة لمصطلح Biotechnology أى استخدام تطبيقات تكنولوجية حديثة فى معالجة الكائنات الحية .. تعريفها فى المجمل هو : التعامل مع الكائنات الحية (كائنات دقيقة - نباتات - حيوانات- البشر نفسهم ) على المستوى الخلوى و تحت الخلوى من أجل تحقيق أقصى استفادة منها صناعيًا و زراعيًا و بالتالى إقتصاديًا وذلك عن طريق تحسين خواصها وصفاتها الوراثية ((وهذا الكلام بالنسبة لكل الكائنات الحية عادا الانسان لأن الوضع يختلف نسبيًا بالنسبة للبشر لأنهم المستفيدون و ليس المستفاد منهم)).. التكنولوجيا الحيوية لديها العديد من التطبيقات أذكر منها هنا على سبيل الذكر لا الحصر: 1- بالنسبة للبشر أهم الأمثلة على الإطلاق فى رأيى: -Gene therapy أى معالجة الأمراض الوراثية فى البشر باستخدام التكنولوجيا الحيوية فى نقل و تعديل الجينات.. -إمكانية زرع أعضاء جديدة باستخدام المحتوى الوراثي لخلية المريض بدلا من أن أنقل له عضو من متبرع أو من ميت .. -التعامل فى قضايا اثبات النسب و فى الحوادث و الجرائم بالطب الشرعى بوحدات ال DNA و كذلك فحوصات ما قبل الزواج لمعرفة إحتمالية الإصابة ب...