![]() |
| أمرست، ماساتشوستس خريف 2013 |
تشرين 2011 كان نجاتي من ماسبيرو دون سابق إنذار و أول رحلة للولايات المتحدة بعدها بأيام قليلة دون سابق إنذار، تخيل أن تنجو من مذبحة تلو الأخرى بعد شهر أو شهرين من تخرجك من الجامعة ثم تضطر إلى تجهيز نفسك نفسيًا للبقاء في بلد لم تزره من قبل، كان هذا هو الوضع، تشرين في تلك السنة كان أول عيد أضحى بالخارج، و أول أيام تعرفي على نيويورك و كونيتيكت و ماين و ماساتشوستس أيضًا، و كان بدايات حركة احتلوا وول ستريت الأمريكية، كان سريعًا و حافلًا لدرجة تجعله حاضرًا بقوة حتى الآن في ذهني..
تشرين 2012 كان في القاهرة مرة أخرى و للغرابة لا أتذكر منه أي شيء إلا مشاعر اكتئاب تشبه بعض ما يحدث الآن معي، أعود إلى كتاباتي كي أتذكر ما كان فيه ولا أجد شيئًا يذكر، تشرين 2013 في بيركلي - أوكلاند، كاليفورنيا و بروكلين، نيويورك، كان حافلاً جدًا بالكثير من الحوادث المحورية في حياتي حتى الآن رغم أنه لم يكن أفضل التجارب على الإطلاق، تشرين كان مميزًا دائمًا في عقلي اللاواعي لسبب ما و الفكرة أن ها هو تشرين آخر قد جاء لا يحمل أي شيء على الإطلاق و هذا أمر أجده مخيف جدًا، تشرين رغم كل شيء أصبح ثقيل الوطء على جهازي العصبي لما يحمله من ذكريات متراكبة في السنوات الماضية كلها و مجيئه خالي الوفاض يبعث بالكثير من التساؤلات..
فكرة مخيفة أن تتزامن الفصول و الأعوام بسرعة و ببطء شديدين في نفس الوقت هكذا، و أن تبدو لي ملامح شتاء قاهري كئيب في الأفق لا يبدو أنه سيختلف كثيرًا عن آخر شتاء لي هنا.. كانت نهايات 2012 هي آخر عهدي بالبرودة في مصر ولا أكاد أذكر شيئًا من كل هذا..
وجدت هذه القصاصة التي كتبتها منذ عام واحد عن تشرين و الخريف أثناء تواجدي في نيويورك:
"نصف عام و نيف و مشاعر التعود القاتل أصبحت خانقة.. لا أفتقد القاهرة و لكن الولايات أصبحت ماسخة جدًا، كل هذه الأزهار الكثيرة التي لا تعرف لها اسمًا لم تعد تلفت نظري كالسابق، كل البيوت المبنية على الطراز القوطي و الفيكتوري تبدو الآن مألوفة إلى حد الملل، الأبيض و الأفريقي و الأسيوي و اللاتيني كلهم الآن في نظري كعم محمد البقال ، و عبده صالح، و عبد السلام ، و سعاد في العباسية و لكن أنطقهم الله تلك الأيام بلسان أعجمي لا أكثر، حتى هذا الرجل الهندي الذي يرتدي عمامة السيخ و يستمع إلى أغاني بوليوود ليل نهار في محله على ناصية الشارع هنا في فلاتبوش الشعبية جدًا يبدو طبيعيًا جدًا هو الآخر إلى درجة خانقة، حتى أنني أتوقع أن يحادثني بالعامية المصرية غدًا، كما أن ملامح النسوة الأمريكان من أصل إفريقي تشبه كثيرًا وجوه بعض أقربائي و زملائي..
أطلب ما أريد من البائع بلكنة أمريكية، و يسألني أحدهم إن كنت إيرانية أو باكستانية مولودة هنا، أمشي بعنف في الشوارع بمفردي، أنظر بلا رغبة و بعين خاوية إلى كل ما حولي، أركل أوراق الخريف المتساقطة على الأرض في كلل دون أن أفكر في الظاهرة من وجهة نظر علمية كما كنت أفعل من قبل، حتى رؤية ألوان الخريف في أوراق الأشجار البنية و الحمراء و الصفراء و الخضراء لم تعد تبعث علي بأي شيء.. لا شيء على الإطلاق.. أشعر بالسخط ز المرارة.. و في أحسن الأحوال بالخواء التام"..
لم أصدق أنني كتبت هذا الكلام وقتها ولا أفهم التناقض الشديد الذي يبدو في نبرتي، كل هذا يؤكد أن الأمر يتعلق بي أنا بصورة كبيرة بعيدًا عن القاهرة و نيويورك و كاليفورنيا.
سألتني صديقة لي في بريد إلكتروني كيف كانت أيامي و أسابيعي و شهوري الماضية منذ الرحيل، قلت لها في خطاب لم يرسل أنه كان صيفًا ثقيلًا عابسًا لزجًا، يمكنك أن تسميه كل ما تعرفين من مصطلحات تبعث بالضيق، هل شعرت بالضيق؟ بالضبط، هكذا كان هو..
لقد كان هذا النوع من الأوقات الذي يجعل كل شيء آخر محتمل سواه -حتى النسيم البارد- يبدو كالحلم، هذا النوع من الأوقات حيث وحدات قياس الزمن كلها عبارة عن مقطوعة نشاز طويلة تشبه بعضها البعض، أميز الأيام و الشهور فيها بالذكرى الثالثة أو الثانية لمصيبة ما أو أحاول تذكر أنني كنت أمضي أيامًا سعيدة في نفس هذا الوقت منذ سنة أو سنتين أو ثلاثة لكي لا أجن من فرط الرتابة و التشابه و لكي أعزي نفسي..
كيف هي القاهرة في الخريف؟ تمنيت لو كانت أقل قبحًا مما هي عليه يا صديقتي، كنت لأرسل لك بعض الصور لكن لن أفعل ذلك، لا يبدو خريفنا مميز إلى هذا الحد، أتذكر ألوان الخريف في ولايات نيو إنجلند على الساحل الشرقي و أنظر إلى صور التقطها بنفسي ولا أشعر أن أيًا من هذا حقيقيًا كالعادة.. كيف يمكن أصلا أن تصبح أوراق الأشجار باللون الأصفر و الأحمر و الوردي و البنفسجي و بكل هذه الدرجات؟ لا يبدو هذا حقيقيًا.
قد تكون هذه الأشياء حقيقية لكنني لم أعد أعرف، لم يعد جهازي العصبي قادر على إدراك الجمال كشيء حاضر من فرط القبح الذي يتعرض له ، أو ربما هذا ما تفعله القاهرة فيك، كما قلت لك يا صديقتي القاهرة لديها قدرة عجيبة على جعل كل ما قد كان و كل ما قد يكون يبدو مستحيلًا أو ضربًا من الخيال من فرط قتامتها، و ازدحامها، و سرعة وتيرتها و قبل كل شيء من فرط قبحها..
لم أعد أخشي من التصريح بذلك لأن رأيي لا يعني أحد إلا سواي على كل حال، و أصدقك القول أنني أشعر بالهلع كلما تذكرت أنه مضى علي خمسة أشهر منذ أن استقر بي المقام في هذا الجحيم الأرضي، الفكرة أنه لا جديد هنا، القاهرة مازالت كعهدي بها أبدًا، كئيبة و متربة كأنها غرفة مهجورة لم يدخلها أو ينظفها أحد منذ 100 سنة، و الشيء الوحيد الذي يعطيني الأمل و يعينني على الاستيقاظ كل يوم عندما أفلح في الحصول على بعض النوم هو ثقتي في رحمة الله و الرضا بقضائه و أن كل الأشياء تنتهي عاجلاً أو أجلاً..
أتذكر كيف كان بعض من تشريننا الماضي، أيام تشبه الحلم الآن ككل شيء آخر، أفتقدكم كلكم كثيرًا جدًا لدرجة لا أستطيع التعبير عنها، على كل حال أشعر أنني أفتقد أشياءًا كثيرة حد التشبع الآن، تعرفين أنني درست الفيزياء و الكيمياء فترة في حياتي و تكلمنا كثيرًا عن الغمر، أشعر الآن و كأنني اسفنجة مغمورة في وعاء ممتلىء عن آخره بمشاعر الافتقاد و الحزن المسالة، كل الثقوب ممتلئة و كل السطح مغطى بعنايه، مشاعر تغمرني و تغطيني لدرجة أنني لا أعرف كيف أشعر بها أصلا لأنها صارت جزءًا مني، تعرفين مثلما لا يحتاج المرء منا إلى الشعور بأحشاءه أو خلايا مخه أو عظامه في كل دقيقة؟ هكذا الألم أيضًا، قد يصبح جزءًا من تكوينك فلا تدري إن كنت مازلت تشعر به أم لا، لا تدري كيف يمكنك أن تعبر عنه بكلمات أو أفعال، هو موجود و حاضر جدًا و هذا ما تعرفه فقط..
حسنًا، أعتقد أن هذه الجرعة تكفي الآن، أعتذر بشدة على انقطاعي ، أصبح مجهود الكتابة و التواصل مع الآخرين يشابه حمل الأثقال و أعلم أنك تتفهمين ذلك،
سلامي للجميع و تذكرونا في الدعاء..
القاهرة، مصر
منتصف أكتوبر-تشرين الأول
2014

تعليقات