تاريخ الكتابة: رمضان سنة ٢٠١٨ ميلاديا
تعتبر فيلادلفيا سادس أعلى المدن الأمريكية من حيث الكثافة السكانية، تاريخيًا كانت العاصمة الأولى للولايات المتحدة الأمريكية وتم فيها توقيع إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عن بريطانيا، كما لعبت فيلادلفيا دورًا هامًا في التاريخ الأمريكي أثناء الحرب الأهلية والثورة الأمريكية، وفي القرن العشرين كانت وجهة للكثير من الأمريكان السود الذين نزحوا من الجنوب الأمريكي أثناء ما سمي بالهجرة الكبرى”Great Migration” حين كان الجنوب يعيش تحت ظلال قانون جيم كرو للفصل العنصري وقدرت أعداد الأمريكان السود الذين نزحوا من الجنوب إلى الشمال بما يوازي ٦ مليون شخص.
منذ الوهلة الأولى سوف تلاحظ أن المدينة تعاني بشدة، ببنية تحتية متهالكة وصور عديدة للفقر والبطالة والمعاناة في شوارع المدينة وبيوتها القديمة، سترى الباعة الجائلين يفترشون الأرصفة والنسوة اللاتي يربطن رؤوسهن بمناديل من القماش يشترين الخضر من عربة خضر متجولة، لسبب ما أكسب هذا المناخ المكان حميمية جعلت فيلادلفيا تشبه بلادنا كثيرًا بغض النظر عن كون هذه الصور دالة على المعاناة وباعثة على الحزن.
ستلاحظ أيضًا أن غالبية سكان المدينة من الأمريكان السود ثم البيض الأوروبيين ثم الآسيويين واللاتينو ونسبة لا بأس بها من المجتمعات المهاجرة الناشئة حديثا، وأن الأحياء السكنية مقسمة عرقيًا كأنما جاء أحدهم بمسطرة وخط خطوطًا لتفريق الناس في السكنى بناءًا على لون بشرتهم. اضطرتنا الظروف إلى السكنى في الكثير من الأحياء المهمشة التي يسكنها الأمريكان السود ويتجنبها المهاجرين بشكل عام و الاحتكاك المباشر بطبقات من المجتمع الأمريكي بصورة شخصية يندر أن يحتك بها المهاجر كثيرًا خاصًا الأتي من الشرق الأوسط والذي -في أحيان كثير- يحمل عدائًا وتحيزًا مسبقًا ضد المهمشين لرغبته في الإلتحاق بالطبقة العليا أو عدم استيعابه لجذور المشاكل التي يعاني منها هؤلاء المهمشين.
تظهر الأحياء الأمريكية الفقيرة جوانب مهمة جدًا للواقع الأمريكي لا يمكن رؤيتها إلا بالإحتكاك المباشر بالمهمشين في بلد يشاع عنه في جميع أنحاء العالم أنه أرض الأحلام والفرص والاستثمارات، والفردوس المفقود الذي وجد أخيرًا، تلك السردية التي تعتبر جزءا رئيسيا من دعاية الحضارة الأمريكية والافتراض الذي يساهم الكثير من المهاجرين من بلاد العرب والشرق الأوسط في تضخيمه إراديًا ولا إراديًا..
أثبتت التجارب الشخصية لي أن المجتمع الأمريكي قائم حتى يومنا هذا على الفصل العنصري وما يسمى في علم الإجتماع بالعنصرية المؤسساتية “Institutional Racism”، بدءًا من اللحظة التي أقوم فيها بملأ استمارة حكومية ويتم سؤالي عن عرقيتي وتصنيفي الإثني، ووجود خانة “أنا لست لاتيني أو هسباني” كإختيار، و مرورا بالرمز البريدي الذي يحكم عليك بالحصول على خدمات أقل جودة من الذين يسكنون في الشارع المقابل لك أصحاب الرمز البريدي المختلف لأن الرمز البريدي يقرر المدرسة التي يمكن لأطفالك أن يلتحقوا بها وكفاءة المساكن ومحلات الطعام وفي أحوال كثير عرقية السكان.
تظهر العنصرية المؤسساتية أيضًا في الإحصائيات والدراسات التي توضح الفرق الشاسع بين الأجور والثروات بناءًا على العرق، وأعداد المساجين السود وذوي الأصول اللاتينية نسبة إلى عدد السكان في مقابل المساجين البيض، والكثير من مظاهر الجور في النظام القضائي والصحي والتعليمي التي تفرق بين الأبيض والملون حتى يومنا هذا.
يعتقد الكثير من المهاجرين الذين عبروا المحيط اختياريًا -أحيانًا بثروات ورأس مال وتعليم قد لا يتوفر لأهل البلد نفسهم- أن طريقهم إلى تحقيق الحلم الأمريكي المتمثل في شراء بيت كبير، وسيارة فارهة، ورصيد كبير في البنك بعد التقاعد هو محاولة الالتحاق بالطبقة المتوسطة العليا والعليا، والانصهار في الثقافة الأمريكية أو التقوقع على الذات والانضمام إلى الجيتوهات الإثنية التي تتشابه تماما مع خلفيته من بلده الأم.
لهذا يقرر الكثير من المهاجرين منذ اليوم الأول مناصرة العداء لأكثر الطبقات المهمشة في هذه البلاد: الأمريكي الأسود، أحفاد الأفارقة الذين تم خطفهم وإحضارهم رغمًا عنهم في رحلات بحرية كابوسية قضت على ما يوازي ١٥٠ مليون شخص لم يصلوا إلى البر أبدًا، ومن بقي منهم هم الفئة الأكثر فقرًا وبؤسًا واضطهادا في هذه البلاد حتى يومنا هذا..
*********
بمصادفة وترتيب قدري عجيب، ساق الله إلينا شاب أمريكي وأمه دخلوا الإسلام بعد رحلة طويلة من البحث و القراءة، لقنوا الشهادة منذ عدة أسابيع فقط لا غير، وفي نفس الوقت فقدوا منزلهم و كل بطاقات الهوية الخاصة بهم في حريق كبير و ينام الإثنين الآن في سيارتهما.. كان هذا في شعبان منذ عدة سنوات قبل رمضان مباشرة..
ليست هذه المرة الأولى التي أقابل فيها معتنقين للإسلام في الولايات المتحدة مصيرهم النوم في الشوارع أو لديهم مشاكل مادية أو عائلية كبيرة جدًا، الكارثة هي أن أعدادهم كبيرة جدًا و أنهم يبحثون عن العون ولا يجدونه إلا قدرًا.. العنصرية و التحيزات و الشك و غياب الثقة بين مسلمي الشرق الأوسط وهذا العرق المظلوم بأكمله هي في رأيي أساس استمرار المشكلة..
في واقع الأمر الدخول إلى الإسلام سهل جدًا في فيلادلفيا لأن المدينة لها طابع إسلامي لا تخطئه العين وإن كان ظاهريًا فقط، يطلقون على شارع ٥٢ “مكة السوداء” لأنك إذا مررت من هذا الشارع سترى العشرات من الأمريكان الأفارقة بالرداء العربي الخليجي، يرتدي الرجال الجلباب الأبيض و ترتدي النساء العبايات السوداء و ينتشر النقاب بكثرة، هناك طابع إسلامي سلفي أثري لا تخطئه العين، محلات العطور والعباءات الخليجية التي يديرها البنغاليين والأفارقة المهاجرين على جانبي الطريق، حدثت هذه الطفرة منذ أقل من عقدين فقط و لن أتطرق إلى تفاصيلها الآن، لكنني وددت فقط أن أشرح السياق أولا و لماذا لا يصعب على الأمريكان الأفارقة تقبل فكرة الدخول في الإسلام رغم مجهودات الدعوة الضعيفة نسبيا من مسلمي الشرق الأوسط الغارقين في المادية، لكن النقطة الأهم هي أن الخروج من الإسلام أو البقاء على السور الفاصل بين الإسلام و تركه أيضًا سهل جدًا، لهذا يدخل الكثيرين و يخرج الكثيرين أيضًا..
على عكس ما تروج له برامج شيوخ الخليج اليوتيوبية المحببة للعرب عن المعتنقين الجدد أصحاب العيون الزرقاء، كل المشاهدات المجتمعية والدراسات والإحصائيات تقول أن أغلب معتنقي الإسلام في أمريكا من الأمريكان السود، نسبة الأمريكان البيض من المسلمين الجدد والقدامى قليلة جدًا ويحدث اعتناقهم في الغالب في أروقة الجامعات أو بطريقة مستقلة فردية ويميل الكثيرين منهم إلى الإنضمام للطرق الصوفية والإنفصال في الضواحي أو السفر إلى خارج أمريكا لبلاد المسلمين، بينما يعتنق الأمريكان الأفارقة الإسلام على النواصي و في الشوارع و المحلات وصالونات الحلاقة و عن طريق اختلاطهم بالإسلام كممارسة إجتماعية، لا أعتقد أن هناك عائلة أمريكية أفريقية واحدة لم تتعرض للإسلام بصورة أو بأخرى أو لا يوجد فيها على الأقل فرد مسلم واحد في هذا الجزء من البلاد..
---------
يتبع بتفاصيل أكثر عن دور المساجد والمراكز الإسلامية واستمرار الصدام بين المسلمين السود والمهاجرين وأسبابه... في الجزء الثاني
تعليقات