*تعقيب ثاني بخصوص تعليق أحد الأفاضل عن ميول الأمريكان الأفارقة الدينية و هل صحيح أن معظمهم يتبع الدعوة السلفية المدخلية أو جماعة أمة الإسلام فقط:
في رأيي هذه التعميمات غير الدقيقة تعتبر جزء كبير من المشكلة.. من مشاهداتي أرى أن قصر انتماء الأمريكان السود المسلمين إلى مجموعتين فقط (الدعوة السلفية المدخلية و أمة الإسلام) تعميم خاطىء وهو سبب تنفير كثير من المسلمين المهاجرين من محاولة التواصل مع هؤلاء الناس والعمل والبناء معهم..
في واقع الأمر يوجد عشرات الالاف ممن لا ينتمون لأي من هذه المجموعات و يختلطون و يرغبون في الاختلاط بالمهاجرين رغم العنصرية و التمييز..
على سبيل المثال، يتكلم الكثيرون عن تاريخ أمة الإسلام ولكنهم يغفلون الحدث الهام في سبعينيات القرن الماضي بقرار نجل إليجا محمد (واسمه وريث الدين محمد) تحويل كل جماعة أمة الإسلام إلى الإسلام السني الصحيح و محاولاته الحثيثة تصحيح العقيدة وربط المسلمين في أمريكا بإخوانهم في باقي أنحاء العالم.. هذه أكبر حادثة اعتناق للإسلام في تاريخ أمريكا الحديث في رأيي ولكنها لا تأخذ حقها في الكلام ولا يعرفها الكثير ممن يعيشون في أمريكا من المهاجرين أصلا!
| مالكولم إكس هو أحد أهم أسباب إلهام وريث الدين إلى تغيير عقيدة الجماعة كاملة إلى الإسلام السني |
في ٢٠٠٨ و بعد وفاة وريث الدين قرر لويس فرخان إرجاع أمة الإسلام مرة أخرى لسابق عهدها، ولكن بقيت غالبية المساجد و غالبية الأتباع على منهج وريث الدين الذي يدعو إلى التفقه في الدين و الانفتاح على الغير و تصحيح العقيدة، وهذا ما لا يعرفه ولا يحب أن يعترف به الكثير من مسلمي الشرق الأوسط المقيمين في هذه البلاد لكي يستمر وجود مبرر عقائدي وأخلاقي لعنصريتهم و نفورهم الشديد من المسلمين الأفارقة..
تكمن المشكلة مع الشرق أوسطيين و مسلمي شبه القارة الهندية وغيرهم في رفضهم التام للتاريخ الذي سمح بظهور الإسلام في الولايات المتحدة كممارسة اجتماعية وللثورة الاجتماعية الإصلاحية التي قام بها إليجا محمد و وريث الدين محمد ومالكولم إكس و غيرهم من الزعماء السود حينما كانت العقيدة غير صحيحة نظرًا لعدم سهولة توفر أي مصادر لها وعدم وجود الإسلام أصلًا كظاهرة إجتماعية في هذا المكان لعقود طويلة.
بالرغم من أن تاريخ الإسلام كممارسة فردية ضارب في القدم في هذا الجزء من العالم الجديد، إلا أن الإسلام الإجتماعي يعد ظاهرة حديثة جدا في الأمريكتين والولايات المتحدة على وجه الخصوص، عندما نشأت جماعات مثل أمة الإسلام و Moorish Science Temple منذ ما يقرب من قرن من الزمان دون وسائل إتصالات أو مطابع متطورة أو إنترنت، بالطبع لا يمكن أن تتوقع أن يصل الإسلام بصورته التي نعرفها إلى هذه الأراض البعيدة.
يفرح الشرق أوسطي المسلم و يتشدق بكون المسلم الجديد ملحدًا أو نصرانيًا أو يهوديًا أو بوذيًا، لكن في الوقت ذاته ستجد أن لديه مشكلة كبيرة في كونه منتميًا في السابق إلى مذهب أو فرقة مختلفة، و في حالة الولايات المتحدة عضوًا سابقًا لجماعة أمة الإسلام. فحتى لو أقسم ألف مرة أنه مسلم الآن، سترى أن عدم التسامح وعدم فهم هذه التفصيلات في سياقها التاريحي و الإجتماعي هو سبب الحاجز الموجود بين كثير من المسلمين السود من الأمريكان وغيرهم، كأنها توبة لم تقبل أبدًا..!
-----------------
يسألني الكثيرون عن دور المساجد والمراكز الإسلامية في الولايات المتحدة وهذا سؤال يصعب الإلمام به لأنه يتصور أن المجتمع المسلم في أمريكا متجانس ومتماسك، في واقع الأمر تفوق أعداد المؤسسات الإسلامية ال٥٠٠٠ مؤسسة في جميع أنحاء البلد وبناءًا على الخلفية العرقية واللغوية والاجتماعية و لمذهبية و أحيانا السياسية ومصادر التمويل و طبعا ميول الإدراة المسيطرة ستجد أن لكل مسجد ومؤسسة إسلامية أولويات مختلفة تماما عن الآخر.. و قد ترى مسجدين على نفس الناصية لا يتكلم المسلمون فيهما مع بعضهم ولا يلقوا السلام إذا مروا ببعض بسبب الخلافات العرقية و المذهبية و الطبقية، و كذلك يؤدي حاجز اللغة و الثقافة الطبيعيين إلى تعقيد الأمور..
يعتقد العرب و يروجون صورة شديدة السطحية عن المسلم الجديد أو المسلم الأعجمي الذي يعتقد في الغالب أنه رجل أو سيدة بيضاء، و يتمتمون بكلمات على غرار أن الناس يدخلون في دين الله أفواجًا و يحسن إسلامهم أوتوماتيكيًا بطريقة سحرية، وأن هؤلاء جميعهم في مصاف الملائكة وإسلامهم أفضل منا، لكن يغيب عنهم تمامًا أن للموضوع أبعاد متعددة شديدة التعقيد على أرض الواقع وأن هؤلاء الناس ليسوا أطفالًا ولا ملائكة يمشون على الأرض، وأن الدعم المطلوب ليس بالضرورة ما تريد أنت أن تفعله أو تمليه عليك أوهامك و تصوراتك غير الواقعية..
تختلف أولويات المسلم المهاجر تماما عن المسلم الأمريكي الجديد و القديم، مع وجود الاستثناءات بالطبع ستجد أن المسلم المهاجر يميل إلى الفردية والخلاص الذاتي و مساعدة أهل بلده التي جاء منها، وغالبا لا يشعر بمسئولية اجتماعية أو أخلاقية تجاه المجتمع الأمريكي وإما يحاول أن يحمي نفسه منه أو ينصهر فيه، المسلم الأمريكي بين نارين لأنه ينتمي إلى هذا المكان ويرتبط به بشدة وفي أحيان كثيرة يرغب في تحسينه و مساعدته، و هنا يحدث التصادم..
ما هو الحل بعد أن عرضنا المشكلة بتفصيلها؟ هذا موضوع أخر....
تعليقات