31 ديسمبر, 2011

أحيا غريب الدار في أوطاني و مطاردًا بمواطن الغرباء

----------------
شد الكلام عمته واختار اعز جواد
ورد قاصد بلاده والهوى رداد
وابن الاصول اللي ما يبدل ببلاد ببلاد
والغربة مرة ولو كانت هدومها جداد

في مصر بعد السفر وجد الكلام معناه

واهل مصر صحابي واولياء الله

يا اوليا لسه في العشرين وفي التلاتين

يستنجدوا المؤمنين في المأزمة بيكم

يا فارجين الكرب بين العرب عناوين
منعني عنهم مطار القاهرة واسمي

*********

القلب فرحان ولكن اتعبه منفاه
وهده بعده عن اللي عاش بيستناه
ما فضلش غير انحني حبا واقول الله
الله افردني عنهم وجمعهم
لكي اراهم على بعد واسمعهم
قد فاز فوزا عظيما من قضى معهم

***********

لما تشوف الشهيد تبقى السلامة خجل
وتبقى عايز تقول له يا أخى آسف
طب قول لى بس اعمل ايه، لو يعنى فيها عمل
اللقمة دى لك نصيب فيها باشيلهولك
واشيل نصيبك من القاعدة وكاسات الشاى
لكن نصيبك فى أنفاسى أشيله إزاى
وازاى أشيللك نصيبك من فرحنا الجاى
ساعات ألاقينى باطلب خط محمولك
بعمل فى نفسى كده ليه، لسه مش عارف
واروح على القهوة أسأل، هو جه وسأل

من قال لك الموت طبيعى يبقى مش شايف
الموت ده شىء مش طبيعى الموت ده أصله خلل
الأصل فينا الخلود وهييجى يوم نلقاه

ما تحسبوش الشهيد اداكوا بس حياة
ما موتوش هو وحده اللى برصاصة رماه
ده طخ ابنه اللى لسه ما اتولدش معاه
وطخ أولاد ولاده لآخر الأيام
موت معاه بشرية كاملة محتملة
عدوا بقى فيها كام شاعر وكام رسام
وكام طبيب عبقرى بين الأطبة إمام
وفيلسوف له على حكم الليالى كلام
وبنت نظرتها تشفى القلب من داؤه

فى شعب كامل رحل ما عرفش أسماؤه

في جسم كل شهيد فيه مصر مكتملة

فخلوا مصر اللى فاضلة تعيش كما شاؤوا
 --------------
تميم البرغوثي من قصيدة يا شعب مصر

03 أكتوبر, 2011

ثلاثة أطفال




منذ ذلك اليوم الدامي لم يترك الميدان لأنه لا يعرف مكاناً سواه لكن الجديد في الأمر هو أنه أصبح صامتًا كالقبر ينظر نظرات خاوية لكل ما يحدث من حوله ربما من فرط الصدمة و من هول ما رآه، إنها نظرة العين تلك التي تحمل خليط شديد التعقيد من التحدي والشجن، تخيل أن يختلط اليأس والقوة و الحزن و النضج المبكر في نظرة، فقط إرث طويل من المعاناة و الخبرات غير التقليدية ينتج نظرة كهذه..
ابتسامته الفاترة تقتلني بالفعل و أشعر دائمًا أنه يجاهد كي يبتسم، و رغم أنني أكره هذا إلا أنني أتفهمه جدًا، لا يمكن لمن خبر من خبره أن يبتسم ابتسامه غير هذه..
أذكر أنني تحولت إلى راديو آدمي بعد كل ما رأيته في تلك الشهور المنصرمة كي أفرغ كل هذه الشحنات السوداء بالكلام، لذا كان هو طفل صموت بصورة مثيرة للحنق مقارنة بحماستي الجنونية في الحديث و صراخي و صوتي المرتفع..
و لكنني أفعل ذلك كي أنسى و كي لا أنفجر في هيستريا بكائية على كل حال..

كان صمته من نوع خاص يشبه ذلك الصمت الموجود في شوارع وسط البلد بعد الثورة في أوقات حظر التجوال الذي كنت أصر على تخطيه دائمًا حتى وقعت في شر أعمالي ذات مرة، تلك الشوارع التي تشعر أنها معترضة ولكنها لا تستطيع التصريح بذلك، تئن في الظلام لكنها تعمل جاهدة على ألا يعلو صوت أنينها مخافة أن تزعج أحدًا من جنود العسكر المتمركزين في كل ركن الذين يعملون بجد على تغيير البلاط و دهان السور لإخفاء آثار الدماء و الرصاص ..

إنها صامتة ربما لأنه لم يعد هناك جدوى من الصراخ، صمت عالي الضجيج يصم أذنيك، يوحي بأن تلك الشوارع و أفنية العمارات المتهالكة لديها لك ألف و ألف قصة عن قتيل و جريح و أمهات ثكالى شهدوا مقتل فلذات أكبادهن، تماما مثلما أعلم أن هذا الطفل يملك ألف و ألف قصة لي لكنه لا يتكلم على الإطلاق خشية شيء ما لا أعرفه، لم أشاهد الثورة في التلفاز، لقد كنت هناك مرات عديدة و أعلم يقنيًا أن تلك الشوارع قد شهدت قتالا و كرًا و فرًا و غسلتها الدماء الطاهرة لكنها حزينة يائسة بشدة لانها لا يعجبها ما تراه من ساكنيها، ربما خائفة كذلك لذلك لا تتكلم..

أما بالنسبة له فهو فلا أعلم تحديدًا سر صمته، فبالرغم من أن عالمه بالذات قد يكون مألوف جدًا على شخص مثلي إلا أنني لم أذهب إلى هناك من قبل و من السخافة أن أزعم أنني أعلم أي شيء عن طبيعة حياة سجون الأحداث مهما حاولت الإنغماس في التجربة، لم أذهب من قبل لكنني أحاول تخيل هذا العالم شديد التعقيد من الأفلام و الحكايا التي مرت علي في عمري القصير جدًا و مجموعة الخبرات التي أعتقد أنها فريدة من نوعها أيضًا.. 
إغماءات و جرحى، سيارات محترقة، غازات مسيلة للدموع، محتجون يقذفون بالحجارة و عساكر ترد بالحجارة، أصوات الرصاص، اعتقالي من الجيش، شرطة عسكرية، قوات الصاعقة، فرق مكافحة إرهاب مع مدنيين عزل، دبابات عتيقة أمام المستشفى، فيلم وثائقي طويل عني، قنوات تلفزيونية و راديو تلاحقني كأنني فعلت شيئًا عظيمًا رغم أن الأبطال الحقيقيين ينامون تحت فتحة تهوية مترو السادات..

أرغب بشدة في أن أسمع منه هو قصة هذا اليوم لأنني أرى قاصًا جيدًا في عينيه الذكية التي لم تتعد السابعة من العمر، و أموت غيظًا و فضولا من حقيقة أنني لا أستطيع الجزم بالسبب الرئيسي وراء صمته لكن الأمر الذي أكاد أجزم به هو حقيقة أن عقله لا يكل و لا يتوقف لحظة عن التفكير في تلك الليلة القاتمة، أكاد أجزم أنه لن ينام  بسهولة لمدة طويلة دون أن يسترجع ذلك المشهد لجثة صديقه الطفل بائع الشاي التي رآها تحمل حملا و توضع في سيارة الشرطة العسكرية إلى مصير غير معلوم..
هو يعلم يقينًا أنه معرض لمصير مشابه في أي فرصة أخرى لأنه مجرد طفل من أطفال الشوارع لا ثمن له عند هؤلاء السادة أصحاب القبعات الحمراء و الآخرين ذوي الأقنعة السوداء مثلما يعلم أنه لا ثمن له عند أبويه ولا عند المجتمع بأكمله.. 



*كتبت بعد حادثة فض إعتصام التحرير يوم 8 أبريل التي لم يتحدث عنها الإعلام..

20 أبريل, 2011

أفكار ما قبل إنتفاضة الخامس و العشرين من يناير (2)

كتبت هذا في السادس و العشرين من نوفمبر 2010 الماضي بلا عنوان و لم أنشره أبدًا..
اندهشت كثيرًا من بعض ما أوردت في هذه التدوينة و أنا أقرأها بعد الخامس و العشرين من يناير و خاصة الكلام عن صحوة مصرية الذي كنت أعتبره مزحة شديدة السخف..
مشاعر دهشة حقيقية أعقبتها تنهيدة إرتياح تحررت إذ علمت أن التشاؤم الذي كان يصر الجميع على وصفي به لم يكن تشاؤمًا إلى هذه الدرجة، ربما يمكن اعتباره الآن محاولة بها شيء من العقلانية لوصف المنظومة المختلة التي كانت_ و مازالت _تعمل بها هذه الأرض الطاهرة التي كُتبت عليها المعاناة الأبدية بلا سبب..
*********************


عن مطر و الميكروباص و الموتى الأحياء

طوال الوقت و بصورة وسواسية تتردد تلك الأبيات في رأسي من لافتة أحمد مطر "على باب القيامة" و ذلك أثناء رحلتي اليومية من البيت إلى الجامعة، رحلة أبدل فيها أربع حافلات و أقضيها بمفردي في واقع لا يرحب بي فيدفعني دفعًا إلى أن أمضي وقتي شاردة النظرات من شباك الميكروباص المكتظ في عالمي الإفتراضي الخاص..

و لمن لا يعرفها، مطلع اللافتة كالتالي:
" بَكى مِن قَهْريَ القَهرُ
وأشفَقَ مِن فَمي المُرُّ
وَسالَ الجَمْرُ في نَفْسي
فأحرَقَ نَفسَهُ الجَمرُ.


بِكُلِّ خَلِيَّةٍ مِنّي

لأهلِ الجَوْرِ مَحرقَةُ ُ
تُزمجرُ : مِن هُنا مَرّوا."
"وإنّي صابِرٌ دَوماً على بَلوايَ
لَمْ تَطرُقْ فَمي شكوايَ
لَو لَمْ يَستَقِلْ مِن صَبْريَ الصَّبْرُ.

أُعيذُ الصَّبرَ أن يُبلي
ذُبالَةَ قَلبهِ مِثلي
لِلَيْلٍ مالَهُ فَجْرُ."
*******
طوال فترة دراستي في تلك الجامعة- خاصة بعد تجربة السفر الأليمة إلى الخارج عندما صارحتني الظروف بحقيقة كوني إنسان- و حتى وقت قريب كنت أشعر بالحنق الشديد طيلة الوقت بمناسبة أو بلا مناسبة، بطاقة سلبية لا مثيل لها، بالشفقة على نفسي كلما تنمر علي سائق ميكروباص أو ضابط شرطة، كلما صعدت إلى حافلة عامة مكدسة أو طال انتظاري على المحطة لأكثر من ساعة على أمل ظهور الحافلة الوحيدة التي تذهب إلى بيتي ولا تأتي أبدًا عندما أحتاجها.

كنت أثور و أصرخ و أبكي لأتفه الأسباب، أتشاحن مع المارة بأسلوب فج يبهرهم ربما لأنه لا يوحي به مظهري، لذا كانت رحلة ذهابي للجامعة و مازالت عذاب أبدي أدعو الله يوميًا أن يخلصني منه دون أن أصاب بارتفاع ضغط الدم أو جلطة  في المخ.
هكذا كنت أفكر طوال الوقت:  "حتى متى؟ و لماذا؟ و ماذا فعلت في حياتي أصلا كي أعامل مثل هذه المعاملة؟ هل كان خطأي أنني وجدت ها هنا و هي مخروبة بالأساس؟!" 

إلا أنني تدربت مؤخرًا على أن أدور بنظري قليلا لدقائق و أتأمل من حولي من المارة و الواقفين، حينها فقط يتلاشي أي شعور سلبي ذاتي. جرب و افعلها لدقائق ثم تأمل حالك بعدها، إن الشعور بأي رثاء لنفسك يصبح بعد تلك الجولة البصرية القصيرة في شوارع القاهرة سخيفًا جدًا من فرط ما ستراه من مآسي بشرية في الشارع المصري المترب كئيب المنظر، في تلك المدينة التي لم تسمى عبثًا "قاهرة"..


أبسط السيناريوهات و أكثرها توافرًا هو معاناة إمرأة عجوز لا ظهر لها..
سيناريو رؤية إمرأة عجوز خرجت لتوها من مستشفى الهلال الأحمر في رمسيس ، لابد أنهم كانوا يعذبونها بالداخل في متابعة تأمين صحي أو ما شابه فقط لتخرج لعذاب آخر في رحلة عودتها إلى المنزل الذي لابد أنه يقع في منطقة عشوائية في أقصى أقاصي مصر أو في الطرف الآخر من القاهرة..
عابسة يائسة مريضة ستراها، لاهثة تركض وراء الحافلة المتوجهة إلى مدينة السلام  أو موقف العاشر و التي تمر مرة واحدة كل ساعتين دون أدنى أمل في أن يتوقف السائق حاد المزاج لها أو أن يستعطفه أحد الواقفين أو الراكبين الذين يعانون بدورهم..

رأيت و سأظل أرى مئات من مثل هذه السيدة العجوز على مدار يومي، سلسلة لا متناهية تقضيها هي في العذاب الأبدي على ذنب لم تقترفه و أقضيها أنا في الشعور بالمرارة و أنا أقف عاجزة كليًا لا يتوفر لدي أي حل لأساعدها..
بعدها أصبح هذا النوع من الأفكار هو الذي يدور برأسي:
"صدقًا، ماذا فعلت هذه العجوز في حياتها كي تعامل مثل هذه المعاملة؟ و حتى متى؟ هل كانت جريمتها الوحيدة أنها تواجدت هنا في هذه الظروف و هي مخروبة من الأساس؟ أم ربما ساهمت في إحداث هذه الحالة لأنها لم تتعلم أن تقول لا؟"

*************
"أُشاغِلُ قَسْوَةَ الآلامِ: ما الضَيْرُ؟
سَتصحو أُمَّتي يَوماً
وِعُمْري دُونَ صَحْوَتِها هُوَ النَّذْرُ.
فتَضْحَكُ دَورةُ الأيّامِ:
كَمْ دَهْراً سَيْبلُغُ عِندَكَ العُمْرُ؟!
أَدِرْ عَيْنَيكَ..
هَل في مَن تَرى بَشَرُ ُ؟
وَهَلْ في ما تَرى بِشْرُ؟

بِلادُك هذِه أطمارُ شَحّاذٍ

تُؤلّفُها رِقاعُ ُ ما لَها حَصْرُ.

تَوَلَّتْ أمرَها إِبرٌ
تَدورُ بِكَف رقّاعٍ
يَدورُ بأمرِهِ الأمرُ.
وما من رُقعَةٍ إلاّ وَتَزعُمُ أنَّها قُطْرُ!

***************
أدور بعيني مرة و أذني مرة أخرى فأسمع حوارات و نقاشات حامية عن موضوعين حصريين في الحافلات المصرية: غلاء الأسعار و الكرة..
نقاشات الحافلة يشارك فيها الجميع نساءًا و رجالا و هي من الأشياء القليلة التي يتشارك فيها النساء و الرجال في فعل شيء في القاهرة عدا المشاحنات..

أرى بعدها جموع مشجعي الأهلي المراهقين و أشباه المراهقين تصعد إلى الحافلة بالملابس الحمراء يتبادلون السباب البذيء و الهتافات، طاقة جبارة تفرغ في المسار الخاطىء. بالطبع لابد أن أشك بعدها في إحتمالية حدوث صحوة من أي نوع و أنا على قيد الحياة!

أتذكر بعدها ما قاله لي عدد غير قليل من معارفي الأمريكان و هو أن الغرب يخشى حدوث ثورة إسلامية في مصر إذا ما حدث تمكين للإخوان المسلمين بأي صورة لذلك تساند الحكومة الغربية النظام المصري.

إسلامية؟! هل حقًا ذكر لي أكثر من شخص كلمة "ثورة إسلامية"؟!
أين يعيش هؤلاء القوم و ماذا يعرفون عنا؟ المضحك في الأمر أن هذا الرأي شائع بين عدد كبير في أوساط المثقفين الغربيين رغم أن الوضع لا يوحي بثورة بتنجانية حتى يوحي بثورة إسلامية..
 المسلمون المصريون شأنهم شأن المصريون المصريون: لم و لن يجتمعوا على كلمة في القريب العاجل كي يقوموا بثورة..

**************
وفيها الشّعبُ مَطروحٌ على رُتَبٍ

بِلا سَبَبٍ

ومقسومُ ُ إلى شُعَب
لِيَضرِبَ عَمْرَها زَيدُ ُ
ويَضَرِبَ زَيْدَها عَمْرو.

مَلايين مِنَ الأصفارِ
يَغرَقُ وَسْطَها البَحْرُ..
وَحاصِلُ جَمْعِها: صِفْرُ!
**************
أقول لنفسي بعدها : أنا لا أنتمى إلى هنا، لماذا أهتم أساسًا، سأتخرج قريبًا، سأرحل في أقرب فرصة غير مأسوف علي و ستنتهي أي روابط بيني و بين هذا المكان، إلى الأبد، لماذا أهتم حقًا؟، لن أهتم بعد الآن..! 

أحمد مطر العزيز هنا متفائل جدًا على غير العادة، لم أصدق أنه قد يفكر بهذه الصورة لذلك إنحزت إلى "الأيام" في ذلك الجزء من القصيدة لأنها أكثر واقعية:


"ألوذُ بِصَدْرِ أبياتي

وأُطمعُها وأُطمِعُني
بأنَّ أَتِيَّها الآتي
سَيَهدِمُ ما بَنى المَكرُ
فَيثأرَ بائِسٌ ويَثورَ مُعْتَرُّ.
وَأنَّ سَماءَها لا بُدَّ أن تبكي
لِيَضحَكَ للثَّرى ثَغْرُ.
تَقولُ: اصبِرْ على المَوتى
إلى أن يَبدأَ الحَشْرُ.
فلا عِندي عَصا موسى
وِلا في طَوْعِيَ السِّحْرُ.
سَماؤكَ كُلها أطباقُ أسْمَنْتٍ
فلا رَعْدٌ ولا بَرقٌ ولا قَطْرُ.
وَأرضُك كُلُّها أطباقُ أسْفَلْتٍ
فلا شَجرٌ ولا ماءٌ ولا طَيرُ.
فَماذا يَصنَعُ الشِّعرُ؟!

قل لي يا مطر، حقًا ماذا يصنع الشعر مع هؤلاء؟
هل مازال هناك أحياء في هذه الأرض الخراب؟!

يا عزيزي:
دَعِ المَوتى

ولا تُشغَلْ بِهَمِّ الدَّفنِ إذ يَبدو

لِعَيْنكَ أنَّهُم كُثْرُ..
بلادُك كُلُّها قَبْرُ!

"لَقَد كَفَّرتَ إيماني
فَكَفِّرْ مَرَّة يا شَعبُ عن ذَنبي
عَسى أن يُؤمِنَ الكُفرُ!
وقَد خَيَّبتَ آمالي
فَخَيِّبْ خَيْبَتي يَوماً
وقُّلْ لِلشِّعرِ ماذا يَصنَعُ الشِّعرُ؟!"

قل للشعر ماذا يصنع الشعر.....؟
**************
كتبت في نوفمبر 2010

14 أبريل, 2011

أفكار ما قبل إنتفاضة الخامس و العشرين من يناير (1)



تقريبا ثلاثة أشهر مضت منذ الرابع عشر من يناير 2011، أتذكر هذا اليوم جيدًا، يوم هرب بن علي الذي لم أكن أعرف اسمه بالكامل أو كيف يبدو من قبل إلا بعد خطابه الأخير، هذا يوم شعرت فيه بالفخر كوني عربية لأول مرة في حياتي القصيرة، و بالخزي أضعافًا مضاعفة كوني مصرية لا تونسية بكل ما كانت الجنسية المصرية تحمل لي من آلام، اعتدت أن أعتبر كوني مصرية عبء نفسي علي وعلى أي مصري شريف واعي لما يحدث حوله، فقد الأمل في أن يحيا جسد ميت نخره السوس منذ زمن مرة أخرى..

الآن و قد انقلبت الموازين أشعر بالسخف لأن هذه المشاعر أرقتني أعوامًا طويلة بالفعل، و لكن كنت لأشعر بالسخف أيضًا لو توقعت أنه ستكون هناك سلسلة من الإنتفاضات في العالم العربي و أنا على أعتاب الواحد و العشرين من العمر، لم يكن هناك مفر من الشعور بالسخف على أي حال..

هجرت المدونة لأسباب كثيرة أولها أنني عالقة في اللامكان_ حرفيًا_ لا أدري إلى أين سينتهى بي المطاف و ما الذي سيؤول إليه كل ما فعلته و أفعله ، أتأرجح بعنف بين نشوة و غضب ، أمل و إحباط، فرحة و ترقب، أجد صعوبة في ملاحقة كل ما يحدث من حولي فضلا عن الكتابة عنه و أخشى ما أخشاه ألا أحيا حتى أرى مصر أحلامي التي تخيلت أنني سأراها ، برومانسية "تحريرية" غير واقعية حلمت قبل أن يوقظني الواقع بصفعة محترمة أن ستون عامًا و نيف من الفساد تحتاج أعوامًا و أعوامًا كي يستوعب الناس فداحتها قبل أن يبدأوا بالتنظيف..

أضف إلى ذلك باقي الثورات الأخرى التي أصابتني بالدوار، لا أصدق نفسي و أنا أتكلم عن الثورات العربية كأنني أتكلم عن مباريات دوري كرة القدم في مصر ، تحليلا و توقعًا و حساب لنقاط الفوز و الخسارة..

هجرت المدونة لأن الكتابة أصبحت ترفًا لا أملكه، بالإضافة إلى حقيقة أن الكل قد تحول بقدرة قادر إلى محللين سياسيين و خبراء علم نفس و إجتماع و إقتصاد و علم جريمة من الدرجة الأولى، كتاب و محللين و مصورين، و سائقي تاكسي، خبراء و هواة و أنصاف هواة، باختصار سيرك (فكري-لا فكري) لا يسعدني أبدًا أن أكون جزءًا منه..

مشكلة الوضع الحالي تتلخص فيما قاله أحد أصدقائي عن العملاق النائم الذي إذا ما تحرك قليلا حرك كثيرًا رغمًا عنه و رغمًا عن كل من حوله، للأسف مصر كانت و مازالت عملاقة رغم أنني لا أطيق سماع نغمة الوطنية المبالغ فيها أو المشاركة فيها لكن لابد من الإعتراف بأن مصر كبيرة بالفعل، حتى و إن لم تكن جنة الله المختارة على الأرض إلا أنها تظل أكبر بكثير من الإنهزامية التي مازال يشعر بها بعض أبناءها الساخطين على الناحية الأخرى من الوطنيين العاطفيين..

بالفعل مصر العجوز أشبه بديناصور في فيلم خيال علمي من عصور ما قبل السينما ثلاثية الأبعاد، عملاق نائم بطيء الحركة بالتبعية قرر أن يستيقظ فجأة من سباته العميق، انتفض بقوة و عنفوان لم يتوقعه منه أحد ثم ما لبث أن بدأ في التهادي..

في نفس الوقت يتسابق الجميع في الحديث عنه و تصويره و توقع حركته و في النهاية يفشلون جميعًا لأنها "مصر" ، ولأن كل شيء محتمل الحدوث سواءًا كان في أسوأ كوابيسك أو كان في أكثر أحلامك سخفًا..ربما ينجح بينهم هذا القزم الواقف بعيدًا الذي خرج من الدائرة ليراقب في صمت فيرى الصورة كاملة لكن لا أحد يعلم حقًا..

المهم و بما أنني من الأقزام الذين يحيطون بالعملاق و أصابهم بعض من هذا التغيير أيًا كان نوعه فكرت في البدأ بنشر بعض كتاباتي القديمة التي لم أنشرها لأسباب عديدة أولها فقداني الأمل و شعوري باللاجدوى من الكتابة عن أي شيء يخص مصر، أفعل هذا الآن لأقارن بين أفكاري و توقعاتي والواقع الحالي، ربما يلفت الماضي نظري إلى أشياء غابت الآن في ظل حالة التوتر التي نمر بها جميعًا نظرًا لتعقد الموقف..

أنشرها الآن بعدما تجدد الأمل نسبيًا و حدث ما لم أكن أتوقعه في أكثر أحلامي جموحًا، ربما للعبرة و ربما لكي تتعرفوا على "أنا" قبل الإنتفاضة التي لا أحب أن أسميها ثورة..

يتبع......

19 مارس, 2011

نبوءات أحمد مطر تتحقق في إنتفاضات عربية

رسالة منه إلى الحكام العرب

... نسألكم الرحيلا ...
* * * * * * * * * * * * * * * * *
ارفعوا أقلامكم عنها قليلاً
واملأوا أفواهكم صمتا طويلاً
لا تجيبوا دعوة القدس.. ولو بالهمس
كي لا تسلبوا أطفالها الموت النبيلا
دونكم هذي الفضائيات فاستوفوا بها "غادر أو عاد"
وبوسوا بعضكم.. وارتشفوا قالا وقيلا
ثم عودوا..
واتركوا القدس لمولاها..
فما أعظم بلواها
إذا فرت من الباغي.. لكي تلقى الوكيلا!
 
طفح الكيل.. وقد آن لكم أن تسمعوا قولاً ثقيلاً
نحن لا نجهل من أنتم.. غسلناكم جميعاً
وعصرناكم.. وجففنا الغسيلا
إننا لسنا نرى مغتصب القدس.. يهودياً دخيلاً
فهو لم يقطع لنا شبراً من الأوطان
لو لم تقطعوا من دونه عنا السبيلا
أنتم الأعداء
يا من قد نزعتم صفة الإنسان.. من أعماقنا جيلاً.. فجيلا
واغتصبتم أرضنا منا
وكنتم نصف قرن.. لبلاد العرب محتلاً أصيلاً
أنتم الأعداء
يا شجعان سلم.. زوجوا الظلم بظلم
وبنوا للوطن المحتل عشرين مثيلا!
أتعدون لنا مؤتمراً!
 
كلا
كفي
شكراً جزيلاً
لا البيانات ستبني بيننا جسراً
ولا فتل الادانات سيجديكم فتيلاً
نحن لا نشري صراخاً بالصواريخ
ولا نبتاع بالسيف صليلاً
نحن لا نبدل بالفرسان أقناناً
ولا نبدل بالخيل الصهيلا
نحن نرجو كل من فيه بقايا خجل.. أن يستقيلا
نحن لا نسألكم إلا الرحيلا
وعلى رغم القباحات التي خلفتموها
سوف لن ننسى لكم هذا الجميلا
ارحلوا
أم تحسبون الله لم يخلق لنا عنكم بديلا؟!
أي إعجاز لديكم؟
هل من الصعب على أي امرئ..أن يلبس العار
وأن يصبح للغرب عميلا؟!
أي إنجاز لديكم؟
هل من الصعب على القرد إذا ملك المدفع .. أن يقتل فيلا؟!
ما افتخار اللص بالسلب
وما ميزة من يلبد بالدرب.. ليغتال القتيلا؟!
احملوا أسلحة الذل وولوا.. لتروا
كيف نُحيلُ الذلّ بالأحجار عزاً.. ونذلّ المستحيلا
______________________________________

هذه القصيدة تشبه الوضع الحالي في مصر، الثورة الوحيدة الذي يحاول الثوار إقناع أهل البلد أننا منكم و نعمل من أجلكم قبل أن ينام معهم الثوار و ينضموا إلى حزب الكنبة المصري..

... المُنْشَــــق 
* * * * * * * * * * * * * * * * *
أكثرُ الأشياءِ في بَلدتِنا
الأحزابُ
والفقرُ
وحالاتُ الطلاقِ .
عِندَنا عَشْرةُ أحزابٍ وَنِصفُ الحِزبِ
في كُلِّ زُقاقِ !
كلُّها يَسعى إلى نَبْذِ الشِّقاقِ !
كلُّها يَنشَقُّ في الساعةِ شَقّينِ
وَيَنشقُّ على الشَّقّينِ شقّانِ
وَيَنشقّانِ عن شَقَّيْهما . .
من أجلِ تحقيقِ الوفاقِ !
جَمَراتٌ تتهاوى شَرَراً
وَالبَردُ باقِ
ثُمَّ لا يبقى لها
إلاَّ رَمَادُ الاحتراق !
* *
لم يَعُدْ عندي رفيقٌ
رُغْمَ أنَّ البلدَةَ اكتظَّتْ
بآلافِ الرفاقِ !
وَلِذا
شَكَّلتُ من نَفسيَ حِزباً
ثُمّ أنى
- مثلَ كلِّ الناسِ -
أعلنتُ عن الحزبِ انشقاقي !
**********************

و هذه عن أحوال ثائر عربي يحيا وسط النائمين و الموتى

وضعوني في إنـاءْ
ثُمّ قالوا لي : تأقلَـمْ
وأنا لَستُ بماءْ
أنا من طينِ السّمـاءْ
وإذا ضـاقَ إنائـي بنمـوّي
..يتحطّمْ !
**
خَيَّروني
بَيْنَ مَوتٍ وَبَقاءْ
بينَ أن أرقُـصَ فوقَ الحَبْلِ
أو أرقُصَ تحتَ الحبلِ
فاخترتُ البقـاءْ

قُلتُ : أُعـدَمْ.
فاخنقـوا بالحبلِ صوتَ الَببَّغـاءْ
وأمِـدّوني بصمـتٍ أَبَـديٍّ يتكلّمْ !

12 مارس, 2011

عن الفتنة العاطفية في مصر!


نعم، هي فتنة عاطفية لا يمكن بأي حال من الأحوال أن يطلق عليها أي مسمى آخر..



رغم وجود قلة _مندسة _عاقلة و متوازنة أو تحاول أن تكون متوازنة في هذا الواقع المجنون من حولي إلا أنني كنت أشعر دائمًا بالإرهاب الفكري ولا أعبر عن آرائي الحقيقية في هذا الموضوع الحساس جدًا عند المصريين، "الدين"..



كيف هذا و أنا أرى من حولي في الغالب مسلمين منهزمين نفسيًا فقدوا هويتهم، أو مسلمين لا يأبهون، أو  مسلمين شديدي التعصب، و على الجانب الآخر مسيحيين ينتظرون دائمًا المبادرة الأولى، و أخرون شديدو العناد و التعصب لا يرضون بأي شيء على الإطلاق و يشعرون بالحاجة دائمًا إلى العيش في دور الضحية لأنه ممتع ولأنه أسهل..


لأسباب كذلك كنت أتجنب الحديث عن أسباب و طرق معالجة الجهل الديني الرهيب الذي نعيش فيه.. لا أعرف الكثير و لست أفضل من أحد، أعترف أنني جاهلة دينيًا حتى النخاع و لكنني أرغب في أن أتعلم..

و لكن أنت لا تتحدث عن أشياء كهذه في مجتمع عاطفي إلى النخاع يتصرف ثم يفكر.. 


أميل إلى الإعتقاد بأن الشعب المصري ليس متدينًا كما يزعم الكثير و إنما هو مرتبط عاطفيًا بدينه و هذا الكلام ينطبق على الغالبية الساحقة من المسلمين و المسيحيين، و هو أمر كان مقصود في العقود الأخيرة السابقة بعدما تدهورت المؤسسات الإسلمية و تقلص دورها و الدليل على ذلك كمثال تدهور مكانة الأزهر و تهميشه ، و بعدما أحكمت الكنيسة القبضة على المسيحيين و حددت حرياتهم كل بأمر من النظام  و لأجل النظام على الناحيتين..

نتيجة لذلك أصبح مجتمعنا مشوه الهوية دينيًا، جاهلا ، لا يفقه شيئًا في أمور دينه إلا من رحم الله.
أصبحنا نستغل الدين بدلا من أن نمارسه و نتفاعل عاطفيًا و نتهور باسمه، نتهم باسمه و نعتذر عن أخطاء لم نرتكبها بإسمه أيضًا..
و أنا هنا أتكلم عن المسلمين و المسيحيين معًا، لا أتكلم عن المسلمين فقط لأنني مسلمة ولا أجد أي حساسية في الكلام عن الشأن المسيحي لأننا أصحاب أرض واحدة..

نعم، أنا أتكلم عن المصريين لأننا كنا جميعًا _كمصريين_ عشنا تحت ظل نظام واحد على نفس درجة الفساد و بنفس الهدف الإفسادي اللعين و كان الدين و الفتن الطائفية المفتعلة هي أهم و أخطر الكروت التي لعب بها النظام و مازال يلعب بها لجعل حياتنا جحيمًا أبديًا معقدًا..

لدي عدة أسئلة كانت تؤرقني دائمًا كلما طفا على السطح بعض الأحداث المفتعلة التي يحاول الجميع أن يعطيها صبغة طائفية رغم أن المصريين أبسط من أن يفكروا في فتنة طائفية:

1- بعد محاولات المسلمين المستميتة فتح أبواب التواصل و بعد سماع أصوات مسيحية عاقلة كثيرة تطالب بالتواصل و أن ما يحدث أسخف من أن نتحدث فيه و بعدما ما عرف المسئول عن كل أحداث الفتن الطائفية السابقة المفتعلة لماذا تبقى فزاعة الإسلاميين الخوف الأول و الأوحد للمسيحين في مصر؟ 

2- متى سينتهي الشعور المبالغ فيه بالإضطهاد و الإغتراب من مسيحيي مصر رغم إن المسلمين كمان طالع عينهم من زمان؟

3- لماذا نتقابل بالأحضان و القبلات و الهلال مع الصليب يفطروا مربى و حليب بينما في حقيقة الأمر لا نصارح بعضنا البعض بأي من تحفظاتنا؟


4- لماذا هذه الحساسية الشنيعة المفرطة في التعامل حتى مهما علت الأصوات الساذجة بأننا إيد واحدة رغم أن الأمر و الله ليس بهذا السوء يا مصريين؟



5- بعدما طرد المعتصمين من التحرير _الذي اعتبره الكثيرون  من أعضاء حزب الكنبة مركز شر و بؤرة فساد و مرتع للبلطجية مؤخرًا_ شر طردة بنية المبالغة في المطالب و تعطيل حال البلد و تشويه المنظر الحضاري، لماذا يستمر المسيحيين في التظاهر بمفردهم الآن في مكان حيوي _ماسبيرو_ رغم امتناع أغلبهم عن الإنضمام للمظاهرات في البداية و رغم إعلان البابا أنه لابد لهم ألا يشاركوا؟


6- لماذا يستمر سقف المطالب في الإرتفاع و لماذا العناد رغم كل محاولات التسوية من كافة الجهات؟


5- أين أصوات المسيحيين العقلاء المتفهمين و الذين اعتصموا معنا في التحرير كأفراد رغم إعتراض الكنيسة على المشاركة في الثورة في البداية، لماذا الكلام عن فتن طائفية بعدما كنا يدًا بيدًا طيلة 18 عشرة يومًا _لم يتعرض أحد لمسيحي أو لكنيسة رغم تهيء الفرصة لذلك و الكل يشهد بهذا_ و بعدما أبهرنا العالم بطبيعة العلاقة الفريدة السمحة بين المسلمين و المسيحيين في مصر كيف نتحدث عن فتنة طائفية؟!


أشعر بأنه من السخافة أن يتحدث الناس في مصر عن فتنة طائفية الآن  فضلا على أن ينجرفوا إليها.. !

كما أنني لا أجد أي حرج في أن أقول بأن غالبية شكاوى و مطالب المسيحيين المعتصمين حتى الآن مبالغ فيها و غير واقعية، و التفكير بهذه الصورة الأنانية بينما الوطن كله يحترق و يمر بأزمة كبرى غير مقبول على الإطلاق مهما تعالت أصوات المنافقين و المطبطبين.. 

المنظر الحضاري كذلك غير لائق _يا من تتكلمون عن إعادة إعمار مصر و العجلة الإقتصادية و صورتنا أمام العالم_  فكما تم إخلاء التحرير لابد أن يتم إخلاء ماسبيرو أيضًا سواءًا بسواء، أعتقد إأنه ذا طبقت الأحكام و الأعراف لابد أن تطبق على الجميع دون محاباة أو تفضيل في المعاملة ولا أرى أي حرج في ذلك فكلنا مصريين و كلنا في مركب واحد إذا غرقت ستغرق بنا جميعًا..

في رأيي هذا الإعتصام يشبه كثيرًا تلك الإعتصامات الفئوية التي لا تقدم ولا تؤخر بل و ربما تؤدي إلى فتنة طائفية كبيرة حقيقية إذا استمرت على هذا المنوال بهذا الأسلوب الأناني العنيد الذي لا يراعي مصلحة الوطن و لا يفيد المسيحيين ولا المسلمين (المصريين)..

نحن في وقت عصيب جدًا  كما يبدو للجميع و لا مجال فيه لتمييع الحقائق التي لابد أن تقال بصوت عال فتسمع و تعقل دون حساسيات أو تعصب أو مجاملة على حساب الحق.. 

كلمة أخيرة: التسامح و العدالة الإجتماعية و الحرية لا تعني  بالضرورة الذوبان و إنكار الحقائق، فالحق أحق بأن يتبع..

اللهم قد بلغت اللهم فاشهد..

*************************

مقال تاريخي

-لا أحبذ عن نفسي نغمة الدفاع المستميت عن الإسلام و محاولة إثبات أنه بريء مما ينسب إليه و كل هذا الهراء ، فليس يصح في الأذهان شيء إذا احتاج النهار إلى دليل..!

و لكنني وجدت هذا المقال التاريخي لقيم مصادفة عن حقائق تاريخية واضحة كي تعلموا لماذا كتبت ما أكتب..

*************************

حال الأقباط  قبل مجيء الإسلام إلي مصر "مقال تاريخي" 


الأثر الديني
تعرض الأقباط في مصر قبل الفتح الإسلامي لاضطهادٍ قاسٍ على أيدي البيزنطيين، ومن ثَمَّ رأوا في القوة الإسلامية الداخلة الأمل بالخلاص مما هم فيه، فساندوها، ورحبوا بدخول المسلمين أرض مصر، لكن هذه المساندة كانت صامتة في بادئ الأمر، أي حيادية.
 وشكلت انتصارات المسلمين وإخضاعهم البلاد نصرًا دينيًّا للأقباط، حيث غادر البلاد عدد كبير من البيزنطيين، ولما استقرت الأوضاع، وكانت أخبار العهدة العمرية الخاصة ببيت المقدس قد تسربت إلى مصر، لقي الأقباط من الحكم الجديد ما شعروا معه بكثير من الحرية.

ولعل أول عمل قام به عمرو بن العاص بعد استقرار الأوضاع الداخلية، الإعلان بين الناس جميعًا أن لا إكراه في الدين، وأن حرية العقيدة أمر مقدس، فلن يتعرض لأحد في حريته أو ماله بسبب دينه أو مذهبه، وخيَّرهم بين الدخول في الإسلام والبقاء على دينهم، فمن يدخل في الإسلام يكون له ما للمسلمين وعليه ما عليهم.

والواقع أن عَمْرًا انتهج سياسة المساواة الدينية بين المذهبين النصرانيين اللذين استمرا في مصر، وتذكر روايات المصادر أن كثيرًا من كنائس الملكانيين فضلوا البقاء في مصر، وأن أسقفًا ملكانيًّا بقي على مذهبه حتى مات ولم يمسه أحد بأذى، وأن البطريرك القبطي بنيامين الذي عاد إلى الإسكندرية بعد أن قضى ثلاثة عشر عامًا لاجئًا متخفيًا خشية أن يُقبَض عليه، أُعِيد إلى مركزه، وأضحى بإمكانه أن يقوم بواجباته الدينية وهو مطمئن، وكان يستقطب الناس إلى مذهبه بالحجة والإقناع، واستطاع أن يحصل على بعض الكنائس التي تركها الملكانيون بعد خروجهم وضمها إلى كنائس البطريركية، ولما عاد إلى الإسكندرية قال لأتباعه: "عدت إلى بلدي الإسكندرية، فوجدت بها أمنًا من الخوف، واطمئنانًا بعد البلاء، وقد صرف الله عنا اضطهاد الكفرة وبأسهم".

فكان من أثر الحرية الدينية والمعاملة السمحة أن أقبل كثير من الأقباط على النظر في المذاهب المختلفة، ثم انتهى أكثر هؤلاء إلى قبول الإسلام والدخول فيه.

الأثر الإداري
خلت بخروج البيزنطيين بعض الوظائف الحكومية التي كان يشغلها هؤلاء، ولأن المسلمين لم يكن لهم عهد بعدُ بالشئون الإدارية، وكان يهمهم أن تستمر الإدارة في العمل، وأن تجمع الضرائب، بغض النظر عما يختص بالعاملين في الحقل الوظيفي، فقد فتحوا أبواب العمل أمام القادرين والراغبين من الأقباط.

والمعروف أن الإدارة الإسلامية الجديدة احتفظت بثلاثة موظفين بيزنطيين في مراكز إدارية كبيرة هي حاكمية مصر السفلى وتولاها ميناس، وحاكمية منطقة الفيوم وتولاها فيلوخينوس، وحاكمية الريف الغربي وتولاها سينوتيوس.

وبفعل هيمنة الموظفين الأقباط على العمل الإداري، أضحت اللغة القبطية اللغة الرئيسية في الإدارة، فحلَّت بذلك محل اللغة اليونانية، وحافظ المسلمون على الأساليب البيزنطية في تدوين الدواوين وجمع الضرائب، فانتعشت الثقافة القبطية مجددًا، وأخذت تملأ الفراغ الذي نتج عن الخروج البيزنطي، واعتنى الأقباط بتعلم اللغة العربية؛ لأنها كانت لغة الفاتحين، واحتفظ المسلمون بقيادة الجند والقضاء.

الأثر الاقتصادي
كانت مصر تتعرض بين سنة وأخرى لضائقة اقتصادية ناتجة عن انخفاض ماء النيل، مما يسبب خللاً في المعادلة الاقتصادية، قد عانى المصريون كثيرًا من هذه الظاهرة، وقد أدرك عمرو بن العاص t ذلك فخَفَّفَ عن المصريين كثيرًا من الضرائب التي فرضها البيزنطيون عليهم. والمعروف أن الضرائب البيزنطية كانت كثيرة ومتنوعة، وتناولت معظم النشاط الاقتصادي والاجتماعي، وسوَّى بينهم في أدائها، كما أعفى بعضهم منها.

ويذكر في هذا المقام أن الخليفة كتب إلى عمرو أن يسأل المقوقس في خير وسيلة لحكم البلاد وجباية أموالها، فأشار عليه المقوقس بالشروط التالية:
- أن يستخرج خراج مصر في وقت واحد، عند فراغ الناس من زروعهم.
- أن يرفع خراجها في وقت واحد، عند فراغ أهلها من عصر كرومهم.
- أن تحفر خلجانها كل عام.
- أن تصلح جسورها وتسد ترعها.
- ألا يُختار عاملٌ ظالم لِيَلِيَ أمورها.

ونتيجة لهذه التوصيات رسم المسلمون خطة جباية الخراج، واعتنوا بهندسة الري من حفر الخلجان وإصلاح الجسور، وسد الترع وبناء مقاييس للنيل وإنشاء الأحواض والقناطر، ولعل من أشهر ما قام به عمرو، هو حفر خليج تراجان الذي يصل النيل بالبحر الأحمر، ويسهل الاتصال بالجزيرة العربية، ويؤمّن طريقًا أفضل للتجارة الشرقية، يبتدئ هذا الخليج من شمالي بابليون ويتجه شمالاً بشرق إلى بلبيس، ثم ينحرف شرقًا إلى بحيرة التمساح ليخرج من جنوبي هذه البحيرة إلى البحيرات المرة، ويبلغ البحر الأحمر عند السويس.

وكان من أثر هذه الإصلاحات أن تحسنت حالة الأقباط وزادت ثرواتهم، واطمأنوا على أرواحهم وممتلكاتهم ومستقبلهم، ونعموا بالهدوء والاستقرار، وازدادت إلفتهم بالمسلمين مع مرور الوقت، ودخل كثير منهم في الإسلام.

ويبقى أن نذكر أن الرأي السائد آنذاك، كان أن يبقى المسلمون على رباطهم لا يشغلون بالزراعة، ولا يحلُّون بالبلاد كأهلها، فلما اطمأنوا في البلاد أخذ ذلك الحظر يُرفَع عنهم، وأُبِيحَ لهم أن يمتلكوا الأراضي.

ماذا كان يحدث لمصر لو لم يأتها الفتح الإسلامي؟
الواقع أن هذا السؤال ضروري للغاية لمن يريد أن يقيّم الفتح الإسلامي لمصر تقييمًا نزيهًا مخلصًا مبرأً من الأغراض؛ لأن الفتح الإسلامي كان ذا أثر عظيم على مصر، وكان علامة فارقة في تاريخها، ليس في مصر فحسب بل في إفريقيَّة بأسرها، والباحث المنصف يرى أنه لو لم يأتِ الفتح الإسلامي لمصر لظلت:

1- خاضعة للدولة البيزنطية تُعاني من الاضطهاد والظلم إلى ما شاء الله، ولهجر أبناؤها أرضها فخربت، ودبَّت المجاعات وعصفت بأهلها، ولتداولت عليها أيدي الدول الاستعمارية الظالمة يتخطّفها مستعمر من مستعمر، يذيقونها العذاب ألوانًا، وينهبون خيراتها ويخربونها ليعمروا أوطانهم، ولتجرع المصريون كأس المهانة والذل، ولانتهى بهم الحال إلى بيع أبنائهم وأعراضهم ليسددوا الضرائب الجائرة، واستمر القتل والسجن والتعذيب والفتنة في عقيدتهم إكراهًا لهم على اتباع ديانة غيرهم، ثم يكون المصير النهائي للجميع: النار؛ النار للمُكْرِهِ الروماني والمُكْرَهِ المصري على حدٍّ سواء؛ جزاءً على الكفر والشرك بالله (عز وجل)، ولكن الإسلام أتاها فأضاء جنباتها بنوره، وأنقذ أبناءها من وَهْدة الكفر ورفعهم إلى قمة الإيمان السامقة، كما حماها من الاستعمار قرونًا عديدة نَعِمَتْ خلالها بسماحة الإسلام.

2- لو لم يأتِ الإسلام لحُرِمَ الأقباط من ممارسة شعائرهم الدينية وحقوقهم، ولظل الإسلام قابعًا في الجزيرة العربية، ولم يستضئ بنوره أهل إفريقيَّة وبلاد الأندلس.

3– أو لأصبحت مصر بؤرة من بؤر محاربة الإسلام (أما اليوم فهي شعلة من مشاعل نصرة الإسلام ونشره في العالم أجمع)، ولحُرِمَ أبناؤها من ثواب الرباط إلى يوم القيامة.

وخلاصة القول: لو لم يأتِ الإسلام لظلت مصر ميتة بين الأحياء.